187

Ṣuwar min ḥayāt al-ṣaḥāba

صور من حياة الصحابة

Publisher

دار الأدب الاسلامي

Edition

الأولى

وَلَمَّا آلَتِ الخِلَافَةُ إِلَى الصِّدِّيقِ وَقَفَ مَعَهُ هُوَ وَقَوْمُهُ مِنْ بَنِي ((مُزَيْنَةَ)) وَقْفَةً حَازِمَةً كَانَ لَهَا أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي القَضَاءِ عَلَى فِتْنَةِ الرِّدَّةِ.

* * *

وَلَمَّا صَارَتِ الخِلَافَةُ إِلَى الفَارُوقِ كَانَ لِلنُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ فِي عَهْدِهِ شَأْنٌ مَا يَزَالُ التَّارِيخُ يَذْكُرُهُ بِلِسَانٍ نَدِيٍّ بِالْحَمْدِ، رَطِيبٍ بِالثَّنَاءِ.

* * *

فَقُبَيْلَ ((القَادِسِيَّةِ))(١)، أَرْسَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ(٢) قَائِدُ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ وَفْداً إِلَى ((كِسْرَى يَزْدَجُرْدَ)) بِرِئَاسَةِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ لِيَدْعُوَهُ إِلَى الإِسْلَامِ.

وَلَمَّا بَلَغُوا عَاصِمَةَ ((كِسْرَى)) فِي ((المَدَائِنِ))(٣) اسْتَأْذَنُوا بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُمْ، ثُمَّ دَعَا التَّرْجُمَانَ فَقَالَ لَهُ:

سَلْهُمْ: مَا الَّذِي جَاءَ بِكُمْ إِلَى دِيَارِنَا وَأَغْرَاكُمْ(٤) بِغَزْوِنَا؟! ... لَعَلَّكُمْ طَمِعْتُمْ بِنَا وَاجْتَرَأْتُمْ عَلَيْنَا لِأَنَّنَا تَشَاغَلْنَا عَنْكُمْ، وَلَمْ نَشَأْ أَنْ نَبْطِشَ بِكُمْ.

فَالْتَفَتَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ إِلَى مَنْ مَعَهُ وَقَالَ:

إِنْ شِئْتُمْ أَجَبْتُهُ عَنْكُمْ، وَإِنْ شَاءَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَكَلَّمَ آثَرْتُهُ(٥) بِالكَلاَمِ، فَقَالُوا: بَلْ تَكَلَّمْ.

ثُمَّ الْتَفَتُوا إِلَى ((كِسْرَى)) وَقَالُوا:

هَذَا الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِنَا فَاسْتَمِعْ إِلَى مَا يَقُولُ.

فَحَمِدَ النُّعْمَانُ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ:

(١) القادسية: مكان في العراق غربي النجف وقعت فيه المعركة الكبرى الفاصلة التي دعيت بمعركة القادسية.

(٢) سعد بن أبي وقاص: انظره ص ٢٩٠.

(٣) المدائن: مدينة قديمة في العراق.

(٤) أغراكم بغزونا: رغبكم بغزونا، وحضكم عليه.

(٥) آثرته بالكلام: فضلته وجعلته يتكلم أولاً.

192