195

Ṣuwar min ḥayāt al-ṣaḥāba

صور من حياة الصحابة

Publisher

دار الأدب الاسلامي

Edition

الأولى

وَلَمْ تَفْتُرْ أَشْوَاقُهُ لَحْظَةٌ إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَتَحَرَّرُ فِيهِ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ، وَيَلْحَقُ بِبَنِي قَوْمِهِ . .

وَقَدْ زَادَهُ حَنِيناً إِلَى بِلَادِ الْعَرَبِ فَوْقَ حَنِينِهِ، أَنَّهُ سَمِعَ كَاهِناً(١) مِنْ كَهَنَةِ النَّصَارَى يَقُولُ لِسَيِّدٍ مِنْ أَسْيَادِهِ :

لَقَدْ أَطَلَّ(٢) زَمَانٌ يَخْرُجُ فِيهِ مِنْ مَكَّةَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ نَبِيٌّ يُصَدِّقُ رِسَالَةَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، وَيُخْرِجُ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ .

***

ثُمَّ أَتِيحَتِ الْفُرْصَةُ لِصُهَيْبٍ فَوَلَّى هَارِباً مِنْ رِقِّ أَسْيَادِهِ، وَيَمَّمَ(٣) وَجْهَهُ شَطْرَ مَكّةَ أُمَّ الْقُرَى وَمَوْئِلِ العَرَبِ، وَمَبْعَثِ النَّبِيِّ المُرْتَقَبِ.

وَلَمَّا أَلْقَى عَصَاهُ(٤) فِيهَا أَطْلَقَ النَّاسُ عَلَيْهِ اسْمَ صُهَيْبِ الرُّومِيِّ لِلُكْنَةٍ(٥) لِسَانِهِ وَحُمْرَةِ شَعْرِهِ.

***

وَقَدْ حَالَف صُهَيْبٌ سَيِّداً مِنْ سَادَةِ مَكَّةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ، وَطَفِقَ يَعْمَلُ فِي التِّجَارَةِ، فَدَرَّتْ عَلَيْهِ الخَيْرَ الوَفِيرَ وَالمَالَ الكَثِيرَ.

غَيْرَ أَنَّ صُهَيْباً لَمْ تُنْسِهِ تِجَارَتُهُ وَمَكَاسِبُهُ حَدِيثَ الكَاهِنِ النَّصْرَانِيِّ ، فَكَانَ كُلَّمَا مَرَّ كَلَامُهُ بِخَاطِرِهِ يُسَائِلُ نَفْسَهُ فِي لَهْفَةٍ :

مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ ؟ ! .

وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى جَاءَهُ الجَوَابُ.

(١) الكاهن: رجل الدّين عند النّصارى.

(٢) أطل: اقترب.

(٣) يمم وجهه شطر مكّة: توجه نحو مَكَّة.

(٤) ألقى عصاه فيها: نزل فيها واستقر.

(٥) لِلُكْنَةٍ لسانه: لثقل لسانه.

200