دَخَلَ صُهَيْبُ بْنُ سِنَانِ الرُّومِيُّ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَاسْتَمَعَا إِلَى مَا يَقُولُ، فَأَشْرَقَ نُورُ الإِيمَانِ فِي صَدْرَيْهِمَا، وَتَسَابَقَا فِي مَدِّ أَيْدِيهِمَا إِلَيْهِ، وَشَهِدَا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمْضَيَا سَحَابَةَ(١) يَوْمِهِمَا عِنْدَهُ يَنْهَلَانِ مِنْ هَدْيِهِ وَيَنْعُمَانِ بِصُحْبَتِهِ.
وَلَمَّا أَقْبَلَ اللَّيْلُ، وَهَدَأَتِ الحَرَكَةُ، خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ تَحْتَ جُنْحِ الظَّلَامِ، وَقَدْ حَمَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنَ النُّورِ فِي صَدْرِهِ مَا يَكْفِي لِإِضَاءَةِ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا.
***
تَحَمَّلَ صُهَيْبٌ نَصِيبَهُ مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ مَعَ بِلَالٍ(٢) وَعَمَّارٍ وَسُمَيَّةَ وَخَبَّابٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عَشَرَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَقَاسَى مِنْ نَكَالِ قُرَيْشٍ مَا لَوْ نَزَلَ بِجَبَلٍ لَهَدَّهُ، فَتَلَقَّى ذَلِكَ كُلَّهُ بِنَفْسٍ مُطْمَئِنَّةٍ صَابِرَةٍ، لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ طَرِيقَ الجَنَّةِ مَحْفُوفٌ بِالمَكَارِهِ.
***
وَلَمَّا أَذِنَ الرَّسُولُ ﷺ لِلأَصْحَابِ بِالهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ، عَزَمَ صُهَيْبٌ عَلَى أَنْ يُغَادِرَ فِي صُحْبَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ؛ لَكِنَّ قُرَيْشًا شَعَرَتْ بِعَزْمِهِ عَلَى الهِجْرَةِ فَصَدَّتْهُ(٣) عَنْ غَايَتِهِ، وَأَقَامَتْ عَلَيْهِ الرُّقَبَاءَ حَتَّى لَا يَفْلِتَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَيَحْمِلَ مَعَهُ مَا دَرَّتْهُ عَلَيْهِ التِّجَارَةُ مِنْ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ.
***
ظَلَّ صُهَيْبٌ بَعْدَ هِجْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَصَاحِبِهِ يَتَحَيَّنُ(٤) الفُرَصَ لِلَّحَاقِ بِهِمَا فَلَمْ يُفْلِحْ؛ إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُ الرُّقَبَاءِ سَاهِرَةً عَلَيْهِ مُتَيَقِّظَةً لَهُ؛ فَلَمْ يَجِدْ سَبِيلًا غَيْرَ اللُّجُوءِ إِلَى الحِيلَةِ.
(١) سحابة يومهما: طول يومهما.
(٢) بلال بن رباح: انظره ص ٣١٣.
(٣) صدته: منعته.
(٤) يتحين الفرص: يترقب الفرص.
202