آمَنَ أَبُو الدَّرْدَاءِ - مُنْذُ اللَّحْظَةِ الأُولَى - بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ إِيمَاناً خَالَطَ كُلَّ ذَرَّةٍ في كيانِهِ.
وَنَدِمَ نَدَماً كَبِيراً عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ خَيْرٍ، وَأَدْرَكَ إِدْرَاكاً عَمِيقاً مَا سَبَقَهُ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِنْ فِقْهٍ لِدِينِ اللَّهِ، وَحِفْظٍ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَعِبَادَةٍ وَتَقْوَى ادَّخَرُوهُمَا لِأَنْفُسِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ.
فَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَسْتَدْرِكَ مَا فَاتَهُ بِالجُهْدِ الجَاهِدِ، وَأَنْ يُوَاصِلَ كَلَالَ اللَّيْلِ(١) بِكَلَالِ النَّهَارِ حَتَّى يَلْحَقَ بِالرَّكْبِ وَيَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ.
فَانْصَرَفَ إِلَى العِبَادَةِ انْصِرَافَ مُتَبَتِّلٍ(٢)، وَأَقْبَلَ عَلَى الْعِلْمِ إِقْبَالَ ظَمْآنَ، وَأَكَبَّ(٣) عَلَى كِتَابِ اللَّهِ يَحْفَظُ كَلِمَاتِهِ، وَيَتَعَمَّقُ فَهْمَ آيَاتِهِ.
وَلَمَّا رَأَى التِّجَارَةَ تُنَغِّصُ(٤) عَلَيْهِ لَذَّةَ الْعِبَادَةِ، وَتُقَوِّتُ عَلَيْهِ مَجَالِسَ العِلْمِ تَرَكَهَا غَيْرَ مُتَرَدِّدٍ وَلَا آسِفٍ.
وَقَدْ سَأَلَهُ فِي ذَلِكَ سَائِلٌ فَأَجَابَ:
لَقَدْ كُنْتُ تَاجِراً قَبْلَ عَهْدِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا أَسْلَمْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ بَيْنَ التِّجَارَةِ وَالْعِبَادَةِ فَلَمْ يَسْتَقِمْ لِي مَا أَرَدْتُ، فَتَرَكْتُ التِّجَارَةَ وَأَقْبَلْتُ عَلَى الْعِبَادَةِ...
وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِيَدِهِ، مَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِيَ الْيَوْمَ حَانُوتٌ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ فَلاَ تَفُوتُنِي صَلَاةٌ مَعَ الجَمَاعَةِ، ثُمَّ أَبِيعُ وَأَشْتَرِي فَأَرْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَمِائَةِ دِينَارٍ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَى سَائِلِهِ وَقَالَ:
(١) كلال الليل بكلال النهار: تعب الليل بتعب النهار.
(٢) المتبتل: المنقطع عن الدنيا، المنصرف إلى اللَّه.
(٣) أكب عَلَّى الشيء: أقبل عليه ولزمه.
(٤) تنغص: تكدر.
209