وَلَمَّا عَزَمَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى غَزْوَةِ ((تَبُوكَ)) (١) -وَهِيَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا فِي حَيَّاتِهِ - كَانَتِ الحَاجَةُ إِلَى المَالِ لَا تَقِلُّ عَنِ الحَاجَّةِ إِلَى الرِّجَالِ؛ فَجَيْشُ ((الرُّومِ)) وَافِرُ العَدَدِ كَثِيرُ العُدَدِ، وَالعَامُ فِي المَدِينَةِ عَامُ جَدْبٍ، وَالسَّفَرُ طَوِيلٌ، وَالمُؤُونَةُ قَلِيلَةٌ، وَالرَّوَاحِلُ أَقَلُّ حَتَّى إِنَّ نَفَراً مِنَ المُؤْمِنِينَ جَاؤُوا إِلَى الرَّسُولِ عَلَيْهِ يَسْأَلُونَهُ فِي حُرقة أَنْ يَأْخُذَهُمْ مَعَهُ فَرَدَّهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، فَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ. فَسُمُّوا بِالبَكَّائِينَ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْجَيْشِ اسْمُ (( جَيْشِ العُسْرَةِ)).
عِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ الرّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَصْحَابَهُ بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاحْتِسَابِ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ، فَهَبَّ الْمُسْلِمُونَ يَسْتَجِيبُونَ لِدَعْوَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَ فِي طَلِيعَةِ المُتَصَدِّقِينَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ؛ فَقَدْ تَصَدَّقَ بِمِائَتَيْ أُوقِيّةٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
إِنِّي لَا أَرَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَّا مُرتَكِباً إِثْماً؛ فَمَا تَرَكَ لِأَهْلِهِ شَيْئًا ....
فَقَالَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (هَلْ تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ شَيْئًا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟).
فَقَالَ: نَعَمْ ... تَرَكْتُ لَهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا أَنْفَقْتُ وَأَطْيَبَ.
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (كَمْ؟!).
قَالَ: مَا وَعَدَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الرِّزْقِ وَالخَيْرِ وَالأَجْرِ.
***
وَمَضَى الْجَيْشُ إِلَى ((تَبُوكَ)) ... وَهُنَاكَ أَكْرَمَ اللَّهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ
(١) تبوك: مدينة عَلَى حدود الشَّام من جهة الجزيرة العربية كانت بأيدي الرُّوم، وهي الآن في المملكة العربية السعودية.
260