فَلَمَّا انْتَهَتِ المَعْرَكَةُ عَادَ سَعْدٌ إِلَى المَدِينَةِ وَحْدَهُ، أَمَّا ((عُمَيْرٌ)) فَقَدْ خَلَّفَهُ شَهِيداً عَلَى أَرْضِ ((بَدْرٍ)) وَاخْتَسَبَهُ عِنْدَ اللَّهِ(١).
*** وَفِي ((أُحُدٍ)) حِينَ زُلْزِلَتِ الأَقْدَامُ(٢)، وَتَفَرَّقَ الْمُسْلِمُونَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا فِي نَفَرٍ قَلِيلٍ لَا يُتِمُّونَ العَشَرَةَ؛ وَقَفَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يُنَاضِلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِقَوْسِهِ، فَكَانَ لَا يَرْمِي رَمْيَةً إِلَّا أَصَابَتْ مِنْ مُشْرِكٍ مَقْتَلاً.
وَلَمَّا رَآهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَرْمِي هَذَا الرَّمْيَ، جَعَلَ يَحُضُّهُ(٣) وَيَقُولُ لَهُ: (إِرْمِ سَعْدُ ... إِرْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) ...
فَظَلَّ سَعْدٌ يَفْتَخِرُ بِهَا طَوَالَ حَيَاتِهِ وَيَقُولُ: مَا جَمَعَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم لِأَحَدٍ أَبَوَيْهِ إِلَّا لِي ... وَذَلِكَ حِينَ فَدَّاهُ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ مَعاً.
*** وَلَكِنَّ سَعْداً بَلَغَ ذُرْوَةَ مَجْدِهِ حِينَ عَزَمَ الفَارُوقُ عَلَى أَنْ يَخُوضَ مَعَ ((الفُرْسِ)) حَرْباً تُدِيلُ دَوْلَتَهُمْ(٤) وَتَثُلُّ عَرْشَهُمْ(٥)، وَتَجْتَثُّ جُذُورَ(٦) الوَثَنِيَّةِ مِنْ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ، فَأَرْسَلَ كُتُبَهُ إِلَى عُمَّالِهِ فِي الآفَاقِ .. أَنْ أَرْسِلُوا إِلَيَّ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ سِلَاحٌ أَوْ فَرَسٌ، أَوْ نَجْدَةٌ أَوْ رَأْيٌّ، أَوْ مَزِيَّةٌ مِنْ شِعْرٍ، أَوْ خَطَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُجْدِي عَلَى المَعْرَكَةِ.
فَجَعَلَتْ وُفُودُ المُجَاهِدِينَ تَتَدَفَّقُ عَلَى المَدِينَةِ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ(٧)، فَلَمَّا
احتسبه عند اللَّه: طلب من اللَّه أجره عَلَى فقده.
زُلزِلت الأقدام: دبَّ الضعف والخوف في النفوس.
يحضه: يحثُّه.
تُدِيلُ دولتهم: تطيح بدولتهم وتذهب بها.
تَثُلُّ عرشهم: تهدم ملكهم.
تَجْتَثُّ جذور الوثنية: تقتلعها من أصولها.
من كل صوب: من كل جهة.
295