304

Ṣuwar min ḥayāt al-ṣaḥāba

صور من حياة الصحابة

Publisher

دار الأدب الاسلامي

Edition

الأولى

لَزِمَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الجُهَنِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لُزُومَ الظِّلِّ لِصَاحِبِهِ، فَكَانَ يَأْخُذُ لَهُ بِزِمَامِ بَغْلَتِهِ أَيْنَمَا سَارَ، وَيَمْضِي بَيْنَ يَدَيْهِ أَنَّى اتَّجَهَ، وَكَثِيرًا مَا أَرْدَفَهُ(١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَاءَهُ، حَتَّى دُعِيَ ((رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ))، وَرُبَّمَا نَزَلَ لَهُ النَّبِيُّ الكَرِيمُ ﷺ عَنْ بَغْلَتِهِ لِيَكُونَ هُوَ الَّذِي يَرْكَبُ، وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ الَّذِي يَمْشِي.

حَدَّثَ عُقْبَةُ قَالَ:

كُنْتُ آخُذُ بِزِمَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ غَابِ(٢) المَدِينَةِ، فَقَالَ لِي: (يَا عُقْبَةُ، أَلَا تَرْكَبُ؟!) فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ: لَا؛ لَكِنِّي أَشْفَقْتُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَنَزَلَ الرَّسُولُ ﷺ عَنْ بَغْلَتِهِ وَرَكِبْتُ أَنَا امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ.. وَجَعَلَ هُوَ يَمْشِي. ثُمَّ مَا لَبِثْتُ أَنْ نَزَلْتُ عَنْهَا، وَرَكِبَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثُمَّ قَالَ لِي: (يَا عُقْبَةُ أَلَا أُعَلِّمُكَ سُورَتَيْنِ لَمْ تُرَ مِثْلُهُمَا قَطُّ؟) فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْرَأَنِي: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَتَقَدَّمَ وَصَلَّى بِهِمَا، وَقَالَ: (اقْرَأْهُمَا كُلَّمَا نِمْتَ وَكُلَّمَا قُمْتَ).

قَالَ عُقْبَةُ: فَمَا زِلْتُ أَقْرَؤُهُمَا مَا امْتَدَّتْ بِيَ الحَيَاةُ.

***

وَلَقَدْ جَعَلَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الجُهَنِيُّ هَمَّهُ(٣) فِي أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ: العِلْمِ وَالجِهَادِ، وَانْصَرَفَ إِلَيْهِمَا بِرُوحِهِ وَجَسَدِهِ، وَبَذَلَ لَهُمَا مِنْ ذَاتِهِ أَسْخَى البَذْلِ، وَأَكْرَمَهُ.

أَمَّا فِي مَجَالِ العِلْمِ فَقَدْ جَعَلَ يَعُبُّ مِنْ مَنَاهِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الثرة(٤).

  1. أَرْدَفَهُ: أَرْكَبَهُ خَلْفَهُ.

  2. غَابِ المَدِينَةِ: أَجْمَاتِهَا ذَاتِ الأَشْجَارِ الكَثِيفَةِ المُلْتَفَّةِ.

  3. هَمَّهُ: اهْتِمَامُهُ وَعِنَايَتُهُ.

  4. العَذْبَةِ: الغَزِيرَةِ.

310