ﷺ: صَدَقَ فَأَعْطِهِ إيَّاهُ فَأَعْطَانِيهِ، فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَاشْتَرَيْت بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ» .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ السَّلَبَ إلَى أَبِي قَتَادَةَ، بِقَوْلٍ وَاحِدٍ دُونَ يَمِينٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ الْوَاحِدُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ طَرِيقُهُ الْخَبَرُ لَا الشَّهَادَةُ.
قَالَ الْبَاجِيُّ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجُوزُ فِي ذَلِكَ قَبُولُ الْوَاحِدِ، وَإِلَّا فَظَاهِرُ الْبَيِّنَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ: (لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ يَقْتَضِي الشَّهَادَةَ) وَلَا تَكُونُ إلَّا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَلَكِنْ لَمَّا ظَهَرَ صِدْقُ أَبِي قَتَادَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ. وَذَكَرَ الْقِصَّةَ اكْتَفَى بِذَلِكَ، وَمِنْ ذَلِكَ «مَا وَقَعَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ لِابْنَيْ عَفْرَاءَ، لَمَّا تَدَاعَيَا قَتْلَ أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ فَقَالَا: لَا، فَقَالَ: أَرِيَانِي سَيْفَيْكُمَا فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِمَا قَالَ: هَذَا قَتَلَهُ، وَقَضَى لَهُ بِسَلَبِهِ»، فَاعْتَمَدَ عَلَى الْأَثَرِ فِي السَّيْفِ.
وَكَذَلِكَ فِي قِصَّةِ قَتْلِ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، لَمَّا «دَخَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ لَيْلًا فَضَرَبُوهُ بِسُيُوفِهِمْ، وَغَرَزَ أَحَدُهُمْ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ، فَلَمَّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى سُيُوفِهِمْ، وَجَدَ فِي ذَلِكَ السَّيْفِ أَثَرَ الطَّعَامِ فَقَالَ: هَذَا قَتَلَهُ، وَحَكَمَ ﷺ بِمُوجِبِ اللَّوْثِ، وَنَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ الشَّاهِدِ، وَجَعَلَ لِوُلَاةِ الدَّمِ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَهُ» .
وَكَذَلِكَ جَعَلَ مَعْرِفَةَ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ قَائِمًا مَقَامَ الْبَيِّنَةِ، وَكَذَلِكَ «حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقَافَةِ» وَجَعَلَهَا دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ. وَمِنْ ذَلِكَ حَكَمَ عُمَرُ ﵁ بِرَجْمِ الْمَرْأَةِ إذَا ظَهَرَ بِهَا حَمَلٌ، وَلَيْسَ لَهَا زَوْجٌ، وَجَعَلَ ذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ فِي أَنَّهَا زَانِيَةٌ، وَكَذَلِكَ إذَا قَاءَ الْخَمْرَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ تَعْدَادُهُ، وَقَدْ اسْتَوْعَبْنَاهُ فِي بَابِ الْحُكْمِ بِالْقَرَائِنِ، فَمَتَى ظَهَرَ الْحَقُّ وَأَسْفَرَتْ طَرِيقُ الْعَدْلِ، فَثَمَّ شَرْعُ اللَّهِ وَدِينُهُ، وَلَمَّا كَانَتْ الْبَيِّنَاتُ مُرَتَّبَةً بِحَسَبِ الْحُقُوقِ الْمَشْهُودِ فِيهَا، وَالْمُحْتَاجِ إلَى إقَامَتِهَا، وَمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ التَّوْسِعَةِ وَالتَّضْيِيقِ وَالتَّثْقِيلِ وَالتَّخْفِيفِ، وَإِمْكَانِ التَّوْثِيقِ