236

Tafsīr al-Bayḍāwī

تفسير البيضاوى

Editor

محمد عبد الرحمن المرعشلي

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٨ هـ

Publisher Location

بيروت

مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ بيان للذين أوتوا نصيبًا فإنه يحتملهم وغيرهم، وما بينهما اعتراض أو بيان لأعدائكم أو صلة لنصيرًا. أي ينصركم من الذين هادوا ويحفظكم منهم، أو خبر محذوف صفته يحرفون.
الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ أي من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها بإزالته عنها وإثبات غيره فيها. أو يؤولونه على ما يشتهون فيميلونه عما أنزل الله فيه. وقرئ «الكلم» بكسر الكاف وسكون اللام جمع كلمة تخفيف كلمة. وَيَقُولُونَ سَمِعْنا قولك. وَعَصَيْنا أمرك. وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ أي مدعوا عليك بلا سمعت لصمم أو موت، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، أو اسمع غير مسمع كلامًا ترضاه، أو اسمع كلامًا غير مسمع إياك لأن أذنك تنبو عنه فيكون مفعولًا به، أو اسمع غير مسمع مكروهًا من قولهم أسمعه فلان إذا سبه، وإنما قالوه نفاقًا. وَراعِنا انظرنا نكلمك أو نفهم كلامك.
لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ فتلا بها وصرفا للكلام إلى ما يشبه السب، حيث وضعوا راعنا المشابه لما يتسابون به موضع انظرنا وغير مسمع موضع لا أسمعت مكروهًا، أو فتلا بها وضمًا لما يظهرون من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرون من السب والتحقير نفاقًا. وَطَعْنًا فِي الدِّينِ استهزاء به وسخرية. وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا ولو ثبت قولهم هذا مكان ما قالوه. لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ لكان قولهم ذلك خيرًا لهم وأعدل، وإنما يجب حذف الفعل بعد لو في مثل ذلك لدلالة أن عليه ووقوعه موقعه. وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ولكن خذلهم الله وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم. فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي إلا إيمانًا قليلًا لا يعبأ به وهو الإِيمان ببعض الآيات والرسل، ويحتمل أن يراد بالقلة العدم كقوله:
قَلِيلُ التَشَكِّي لِلْمُهِم يَصِيبُه أَو إِلا قليلًا منهم آمنوا أو سيؤمنون.
[سورة النساء (٤): آية ٤٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها من قبل أن نمحو تخطيط صورها ونجعلها على هيئة أدبارها، يعني الأقفاء، أو ننكسها إلى ورائها في الدنيا، أو في الآخرة. وأصل الطمس إزالة الأعلام المائلة وقد يطلق بمعنى الطلس في إزالة الصورة ولمطلق القلب والتغيير، ولذلك قيل معناه من قبل أن نغير وجوهًا فنسلب وجاهتها وإقبالها ونكسوها الصغار والإِدبار، أو نردها إلى حيث جاءت منه، وهي أذرعات الشام يعني إجلاء بني النضير، ويقرب منه قول من قال إن المراد بالوجوه الرؤساء، أو من قبل أن نطمس وجوهًا بأن نعمي الأبصار عن الاعتبار ونصم الأسماع عن الإِصغاء إلى الحق بالطبع ونردها عن الهداية إلى الضلالة. أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ أو نخزيهم بالمسخ كما أخزينا به أصحاب السبت، أو نمسخهم مسخًا مثل مسخهم، أو نلعنهم على لسانك كما لعناهم على لسان داود. والضمير لأصحاب الوجوه أو للذين على طريقة الالتفات، أو للوجوه إن أريد به الوجهاء، وعطفه على الطمس بالمعنى الأول يدل على أن المراد به ليس مسخ الصورة في الدنيا ومن حمل الوعيد على تغيير الصورة في الدنيا قال إنه بعد مترقب أو كان وقوعه مشروطًا بعدم إيمانهم وقد آمن منهم طائفة. وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ بإيقاع شيء أو وعيده، أو ما حكم به وقضاه. مَفْعُولًا نافذًا وكائنًا فيقع لا محالة ما أوعدتم به إن لم تؤمنوا.

2 / 77