Tafsīr al-Bayḍāwī
تفسير البيضاوى
Editor
محمد عبد الرحمن المرعشلي
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
١٤١٨ هـ
Publisher Location
بيروت
Regions
•Iran
إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا طاعة وبرًا. أَوْ تُخْفُوهُ أو تفعلوه سرًا. أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ لكم المؤاخذة عليه، وهو المقصود وذكر إبداء الخير وإخفائه تشبيب له، ولذلك رتب عليه قوله. فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا أي يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام فأنتم أولى بذلك، وهو حث للمظلوم على العفو بعد ما رخص له في الانتظار حملًا على مكارم الأخلاق.
[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٠ الى ١٥١]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٥١)
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله.
وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعضهم. وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا طريقًا وسطًا بين الإِيمان والكفر، ولا واسطة: إذ الحق لا يختلف فإن الإِيمان بالله ﷾ لا يتم إلا بالإِيمان برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه تفصيلًا أو إجمالًا، فالكافر ببعض ذلك كالكافر بالكل في الضلال كما قال الله تعالى: فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ.
أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ هم الكاملون في الكفر لا عبرة بإيمانهم هذا. حَقًّا مصدر مؤكد لغيره أو صفة لمصدر الكافرين بمعنى: هم الذين كفروا كفرًا حقًا أي يقينًا محققًا. وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا.
[سورة النساء (٤): آية ١٥٢]
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أضدادهم ومقابلوهم، وإنما دخل بين على أحد وهو يقتضي متعددًا لعمومه من حيث إنه وقع في سياق النفي. أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ الموعودة لهم وتصديره بسوف لتأكيد الوعد والدلالة على إنه كائن لا محالة وإن تأخر. وقرأ حفص عن عاصم وقالون عن يعقوب بالياء على تلوين الخطاب. وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا لما فرط منهم. رَحِيمًا عليهم بتضعيف حسناتهم.
[سورة النساء (٤): آية ١٥٣]
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا (١٥٣)
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ نزلت في أحبار اليهود قالوا: إن كنت صادقًا فائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى ﵇، وقيل: كتابًا محررًا بخط سماوي على ألواح كما كانت التوراة، أو كتابًا نعاينه حين ينزل، أو كتابًا إلينا بأعياننا بأنك رسول الله. فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ جواب شرط مقدر أي: إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى ﵇ أكبر منه، وهذا السؤال وإن كان من آبائهم أسند إليهم لأنهم كانوا آخذين بمذهبهم تابعين لهديهم. والمعنى إن عرقهم راسخ في ذلك وأن ما اقترحوه عليك ليس بأول جهالاتهم وخيالاتهم. فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً عيانًا أي أرناه نره جهرة، أو مجاهرين معاينين له. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ نار جاءت من قبل السماء فأهلكتهم. بِظُلْمِهِمْ بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم، ما يستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقًا. ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ هذه الجناية الثانية التي اقترفها أيضًا أوائلهم، والبينات،
2 / 106