198

Ṭarīq al-wuṣūl ilā al-ʿilm al-maʾmūl bi-maʿrifat al-qawāʿid wa-l-ḍawābiṭ wa-l-uṣūl

طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول

Publisher

دار البصيرة

Edition

الأولى

Publisher Location

الإسكندرية

وقريب منها: ذوق الصوفية ووجدهم وإلهاماتهم، فإن حاصلها أنهم يجدون في القول والعمل مصلحة في قلوبهم (وأبدانهم)، ويذوقون طعم ثمرته. وهذه مصلحة، لكن بعض الناس يخص المصالح المرسلة بـ: حفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول (والأبدان).

وليس كذلك، بل المصالح المرسلة في: جلب المنافع، ودفع المضار. وما ذكروه عن دفع المضار (من) هذه الأمور الخمسة، فهو أحد القسمين. وجلب المنفعة يكون في الدنيا والدين .. ففي الدنيا: كالمعاملات، والأعمال التي يقال: فيها مصلحة للخلق، من غير (حظر) شرعي .. وفي الدين: ككثير من المعارف، والأحوال، والعبادات، والزهادات التي يقال: فيها مصلحة للإنسان، من غير منع شرعي. فمن قصَر المصالح على العقوبات التي فيها دفع الفساد عن تلك الأحوال، ليحفظ الجسم فقط، فقد قصَّر. وهذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به.

(ثم ذكر من انتقد هذه الأمور، ومن قرَّرها واعتمدها، ثم قال):

والقول الجامع: أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط، بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين، وأتم النعمة، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثنا به النبي ﷺ، وتركنا على (المَحَجَّةِ) البيضاء: ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعده إلا هالك.

لكن ما اعتقده العقل مصلحة، وإن كان الشرع لم يرد به، فأحد الأمرين لازم له: إما أن الشرع دل عليه من حيث لا يعلم هذا الناظر، أو أنه ليس بمصلحة، أو اعتقد مصلحة مرجوحة، لأن المصلحة هي الخالصة، أو الغالبة. وكثيراً ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا، ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة، كما قال تعالى في الخمر والميسر: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ (سورة البقرة، الآية: ٢١٩). وكثير من بدع العقائد والأعمال من هذا الباب. وقد زين (لأصحابها) سوء عملهم فرأوه حسناً. وقد يكون عمداً فيكون ظلماً. وقد يقع جهلاً فيكون ضلالاً .. وهذا الباب مشترك بين أهل العلم والقول، وبين أهل الإرادة والعمل.

198