189

Manhaj al-Qurṭubī fī dafʿ mā yutawaham taʿāruḍihi min al-āyāt fī kitābih al-Jāmiʿ li-aḥkām al-Qurʾān

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)، فَفِي هَذا دَلالَة عَلى أنه تَعالى ابْتَدَأ بِخَلْق الأرْض أوَّلًا ثم خَلَق السَّمَاوات سَبْعًا، وهَذا شَأن البِنَاء أنْ يُبْدَأ بِعِمَارَة أسَافِلِه ثم أعَالِيه بَعْد ذَلك، وقد صَرَّح الْمُفَسِّرُون بِذلك ....
فأمَّا قَوله تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ)، فَقَد قِيل إنَّ (ثُمَّ) (^١) هاهنا إنما هِي لِعَطْف الْخَبَر عَلى الْخَبَر، لا لِعَطْف الفِعْل عَلى الفِعْل، كما قال الشاعر:
قُلْ لِمَنْ سَاد ثُمّ سَادَ أبُوه ثم قَدْ سَاد قَبل ذلك جَدّه
وقيل: إن الدَّحْي كَان بَعْد خَلْق السَّمَاوات والأرْض (^٢).
وقَال أيضًا في الْجَمْع بين آية "البقرة" وآيات "فُصِّلت": فَهَذِه وهَذه دَالَّتَان على أنَّ الأرْض خُلِقَت قَبْل السَّمَاء، وهَذا مَا لا أعْلَم فِيه نِزَاعًا بَيْن العُلَمَاء، إلَّا مَا نَقَلَه ابن جَرير عن قَتادة أنه زَعَم أنَّ السَّمَاء خُلِقَت قَبْل الأرْض، وقَد تَوقّف في ذلك القُرْطُبي (^٣) في تَفْسِيره لِقوله تَعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا).
قَالوا: فَذَكَر خَلْقَ السَّمَاء قَبْل الأرْض.

(^١) هكذا في المطبوع، فإما أراد (ثُمّ) التي في آية "فُصِّلَت"، أوْ أرَاد (بَعْد) التي في آية "النازعات"؛ لأنه ليس في آيات "النازعات" التي ذكرها ثُمّ.
(^٢) تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق (١/ ٣٣٢، ٣٣٣).
(^٣) لا يظهر توقّف القرطبي، بل أحَال على ما بيّنه في تَفْسِير سُورة البقرة.

1 / 189