وجَوَاب آخَر أنَّ " (ثم) هنا لِتَرْتِيب الأخْبَار، لا لِتَرْتِيب الوُقُوع، ولا يَلْزَم مِنْ تَرتِيب الأخْبَار تَرْتِيب الوُقُوع، كَقَولِه تَعالى: (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥٣) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) [الأنعام: ١٥٣، ١٥٤]، ولا رَيْب في تَقَدُّم إيتَاء مُوسى الكِتَاب عَلى وَصِيَّتِه لِهَذه الأُمَّة (^١).
وقد أشْكَل عَلى بَعْض الْمُفَسِّرين مَا رَواه مُسْلِم مِنْ حَدِيث أبي هُرَيرة قال: أخَذَ رَسُولُ الله ﷺ بِيَدِي فَقال: خَلَق اللهُ ﷿ التُّرْبَة يَوم السَّبْت، وخَلَق فِيها الْجِبَال يَوم الأحَد، وخَلَق الشَّجَر يَوْم الاثْنِين، وخَلَق الْمَكْرُوه يَوم الثُّلاثَاء، وخَلَق النُّور يَوم الأربعاء، وبَثَّ فِيها الدَّوَاب يَوْم الْخَمِيس، وخَلَق آدَم ﵇ بَعْد العَصْر مِنْ يَوم الْجُمُعة في آخِر الْخَلْق في آخِر سَاعَة مِنْ سَاعَات الْجُمُعة، فيما بَين العَصْر إلى الليل (^٢).
حَيث يُوهِم ظَاهِر الْحَدِيث أنَّ خَلْق الأرْض كَان في سبعة أيام، وليس كَذلك، لأنه لَيْس فِيه التَّصْرِيح بِخَلْق الأرْض في سِتَّة أيام، بل فِيه ذِكْر تَفَاصِيل خَلْق أجْزاء الأرْض وبَعْض مَا عَلَيها؛ مِنْ خَلْقِ التُّرْبة والْجِبَال والشَّجَر والْمَكْرُوه والنُّور والدَّوَاب وخلْق آدم؛ في سِتَّة أيام.
والذي يَظْهَر أنَّ هَذه الأيام غَير الْمَذْكُورَة في الآيَات مِنْ خَلْق الأرْض في أرْبَعَةِ أيام، بِدَلِيل أنَّ آدَم ﵊ خُلِق في اليوم الذي يَلِي هَذه الأيَّام، وهو اليَوم السَّابِع، وخَلْق آدَم مُتأخِّر عَنْ خَلْق الأرْض، بِدَلالة قَوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: ٣٠]، فذُكِرت الأرْض قَبْل خَلْق آدَم، مِمَّا دَلَّ على تقدُّم خَلْق الأرْض.
(^١) قاله ابن جماعة، "كَشْف المعاني في الْمُتَشَابِه والْمَثَاني" (٩٧، ٩٨).
(^٢) الصحيح (ح ٢٧٨٩)، ويُنظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، مرجع سابق (١٨/ ١٨ وما بعدها).