جمع القرطبي:
قال القرطبي:
(وَلَا يَكْتَمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) قَال الزَّجَّاج: قال بَعضُهم: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) مُسْتَأنَف؛ لأنَّ مَا عَمِلُوه ظَاهِر عِنْد الله لا يَقْدِرُون عَلى كِتْمَانِه.
وقال بَعْضُهم: هو مَعْطُوف، والْمَعْنَى: يَوَدّ لَو أنَّ الأرْض سُوِّيتْ بِهِمْ وأنهم لَم يَكْتُمُوا الله حَدِيثًا؛ لأنه ظَهَر كَذِبهم.
وسُئل ابن عباس عن هَذه الآية، وعَن قَوله تعالى: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، فَقال: لَمَّا رَأوا أنه لا يَدْخُل الْجَنَّة إلَّا أهْل الإسْلام قَالُوا: والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين، فَخَتَم الله على أفْوَاهِهم، وتَكَلَّمَتْ أيدِيهم وأرْجُلهم، فلا يَكْتُمُون الله حَدِيثًا.
وقال الْحَسَن وقَتَادَة: الآخِرَة مَوَاطِن؛ يَكُون هَذا في بَعْضِها وهَذا في بَعْضِها.
ومَعْنَاه: أنهم لَمَّا تَبَيَّن لَهُمْ وحُوسِبُوا لم يَكْتُموا (^١).
وقال في تَفْسِير سُورة الأنْعَام مَا نَصّه:
قوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ) [الأنعام: ٢٣] الْفِتْنَة الاخْتِبَار، أي: لَم يَكُنْ جَوَابهم حِين اخْتُبِرُوا بِهَذا السُّؤال ورَأوا الْحَقَائق وارْتَفَعَتِ الدَّوَاعِي (إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٢٣]، تَبَرّءوا مِنْ الشِّرْك وانْتَفَوا مِنه لِمَا رَأوا مِنْ تَجَاوُزِه ومَغْفِرَتِه للمُؤمِنِين.
قال ابن عباس: يَغفر الله تَعالى لأهْل الإخْلاص ذُنُوبَهم ولا يَتَعَاظُم عليه ذَنْب أن يَغْفِرَه، فإذا رَأى الْمُشْرِكُون ذلك قَالوا: إنَّ رَبَّنَا يَغْفِر الذُّنُوب ولا يَغْفِر الشِّرْك، فَتَعَالَوا نَقُول: إنا كُنّا أهْل ذُنُوب ولم نَكُنْ مُشْرِكِين! فَقال الله تعالى: أَما إذْ كَتَمُوا الشّرْك فَاخْتِمُوا عَلى أفواههم، فَيُخْتَم على أفْوَاهِهم، فَتَنْطِق أَيدِيهم وتَشْهَد أرْجُلُهم بِمَا
(^١) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٥/ ١٩٢).