200

Manhaj al-Qurṭubī fī dafʿ mā yutawaham taʿāruḍihi min al-āyāt fī kitābih al-Jāmiʿ li-aḥkām al-Qurʾān

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

والمعنى وَوَدّوا أن لا يَكْتُمُوا الله حديثًا. والدليل على صحة هذا القول أنه روي عن سعيد بن جبير في قوله: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) قال: اعْتَذَرُوا وحَلَفُوا. وكَذلك قال ابن أبي نجيح وقتادة. ورُوي عن مُجاهد أنه قَال: لَمَّا رَأوا الذُّنُوب تُغْفَر إلَّا الشِّرك، والنَّاس يُخْرَجُون مِنْ النَّار إلَّا الْمُشْرِكِين قال (^١) (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) (^٢).
وقال السمعاني في قَوله تَعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) فإن قِيل: قَدْ أَخْبَر هَاهُنا أنهم لا يَكْتُمُون الله حَدِيثًا، وذَكَرَ في مَوْضِع آخَر قَولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، فَقَد كَتَمُوا فَكَيف وَجْه الْجَمْع؟
قِيل: قَال الْحَسَن البَصْري: وهَذا في مَوْطِن وذَاك في مَوْطِن آخَر، وفي القِيَامَة مَوَاطِن، وهَذا جَواب مَعْرُوف أوْرَدَه القَتيبي في مُشْكِل القُرآن.
وقِيل: مَعْنَاه يَوَدُّون ألا يَكْتُمُون الله حَدِيثًا، وذَلك أنهم يَقُولُون: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، ونَحْو ذَلك، فَيَخْتِم اللهُ عَلى أفْوَاهِهم ويُنْطِق جَوَارِحَهم فَيَودُّون أنهم لم يَكْتُمُوا الله حَدِيثًا، فَهو رَاجِع إلى قَوله: (يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا).
وقِيل: مَعْناه: لا يَقْدِرُون أن يَكْتُمُوا اللهَ حَدِيثًا (^٣).
وقال في قَوله تَعالى: (قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا) [الأنعام: ٣٠]، فَيُقِرُّون بها. قال ابن عباس: هذا في مَوْقِف، وقَوله: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) في مَوقِف آخَر، وفي القِيَامَة مَوَاقِف، فَفِي مَوْقِف يُنْكِرُون، وفي مَوْقِف يُقِرُّون (^٤).

(^١) كذا في الأصل، والصواب: قالوا.
(^٢) معاني القرآن، مرجع سابق (٢/ ٤٠٨) وقول مجاهد هذا هو قول ابن عباس كما تقدّم.
(^٣) تفسير القرآن، مرجع سابق (١/ ٤٣٠).
(^٤) المرجع السابق (٢/ ٩٨).

1 / 200