206

Manhaj al-Qurṭubī fī dafʿ mā yutawaham taʿāruḍihi min al-āyāt fī kitābih al-Jāmiʿ li-aḥkām al-Qurʾān

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

والْخَامِس: أنه تَعالى في هَذه الآية حَكَى عنهم أنهم قَالُوا: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٢٣].
وَحَمْلُ هَذا عَلى أن الْمُرَاد: مَا كُنَّا مُشْرِكِين في ظُنُونِنَا وعَقَائدِنا مُخَالفة للظَّاهِر، ثم حَمْل قَوله بَعد ذلك: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) [الأنعام: ٢٤] على أنهم كَذَبُوا في الدُّنيا يُوجِب فَكَّ نَظْم الآية، وصَرْف أوَّل الآيَة إلى أحْوال القِيَامَة، وصَرْف آخِرها إلى أحْوال الدُّنيا، وهو في غَاية البُعْد (^١).
ثم نَقَض ما حكاه عن أبي عليّ الجبائي.
وأوْرَد ابنُ جُزَيّ الإشْكَال، وأجَاب عنه مِنْ وَجْهَين، فَقَال: فإن قِيل: كَيف هَذا مَع قَولِهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)؟
فالْجَوَاب مِنْ وَجْهَين:
أحَدُهُما: أنَّ الْكَتْم لا يَنْفَعُهم، لأنهم إذا كَتَمُوا تَنْطِق جَوَارِحُهم فَكَأنهم لَم يَكْتُمُوا والآخَر: أنهم طَوَائف مُخْتَلِفَة، ولَهُم أوْقَات مُخْتَلِفَة.
وقِيل: إنَّ قَوله: (وَلَا يَكْتُمُونَ) عَطْف على (تُسَوَّى) [النساء: ٤٢]، أي يَتَمَنّون أن لا يَكْتُمُوا، لأنهم إذا كَتَمُوا افْتَضَحُوا (^٢).
وأوْرَد الإشْكال نَفْسه في تفسير سُورة الأنْعام، وزَاد في الْجَواب، فَقَال: فإن قيل: كَيف يَجْحَدُونه، وقَد قَال الله: (وَلَا يَكْتَمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)؟
فالْجَوَاب: أنَّ ذَلك يَخْتَلِف باخْتِلاف طَوَائف النَّاس، واخْتِلاف الْمَواطِن، فَيَكْتُم قَوْم، ويُقِرُّ آخَرُون، ويَكْتُمُون في مَوْطِن، ويُقِرُّون في مَوْطِن آخَر؛ لأنَّ يَوْم القِيَامَة

(^١) التفسير الكبير، مرجع سابق (١٢/ ١٥٢، ١٥٣).
(^٢) التسهيل لعلوم التنزيل، مرجع سابق (١/ ١٤٢).

1 / 206