250

Manhaj al-Qurṭubī fī dafʿ mā yutawaham taʿāruḍihi min al-āyāt fī kitābih al-Jāmiʿ li-aḥkām al-Qurʾān

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

أمَّا الشَّنْقِيطي فَقَد ذَكَر ثَلاثَة أوْجُه في الْجَمْع بَيْن الآيَات، فَقَال:
الْجَوَاب عن هَذا بِأمُور:
الأوَّل: مَا أخْرَجَه ابنُ جَرير عن عِكرمة والسُّدّي مِنْ أنَّ زَكَرِيّا نَادَتْه الْمَلائكَة وهو قَائم يُصَلِّي في الْمِحْرَاب: أنَّ الله يُبَشِّرُك بِيَحْيَى، قَال لَه الشَّيْطَان: لَيْس هَذا نِدَاء الْمَلائكَة، وإنّمَا هُو نِدَاء الشَّيْطَان، فَدَاخَل زَكَرِيّا الشَّك في أنَّ النِّدَاء مِنْ الشَّيْطَان، فَقَال عنْد ذَلك الشَّك النَّاشئ عَنْ وَسْوَسَة الشَّيْطَان قَبْل أن يَتَيَقّن أنّه من الله: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) ولِذَا طَلَب الآيَة (^١) مِنْ الله عَلى ذَلك بِقَولِه: (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) الآية.
الثاني: أنّ اسْتِفْهَامَه اسْتِفْهَام اسْتِعْلام واسْتِخْبَار؛ لأنّه لا يَدْرِي هَلْ الله يَأتِيه بالوَلَد مِنْ زَوْجِه العَجُوز، أوْ يَأْمُرَه أن يَتَزَوَّج شَابَّة، أوْ يَرُدّهما شَابَّيْن؟
الثالث: أنَّه اسْتِفْهَام اسْتِعْظَام وتَعَجُّب مِنْ كَمَال قُدْرَةِ الله تعالى (^٢).
رأي الباحث:
لا تَعَارُضَ بَيْن الآيَات، فَزَكَرِيّا ﵊ لَم يَشُكّ في قُدْرَة الله تَعالى، كَمَا لَم يَشُكّ إبْرَاهِيم ﵊ حِينَمَا سَأل الله أن يُرِيَه كَيف يُحْيِي الْمَوْتَى.
وسُؤال زَكَرِيّا سُؤال تَعجُّب، وهو سُؤَالٌ عن الكَيْفِيَّة - ورُبّمَا والزَّمَان -.
والسُّؤال كَان في مُنَاسَبَتِه حِينَمَا رَأى فَضْل الله وعَطَاءه ورِزْقَه لِمَرْيم ﵍، والبُشْرَى كَانَتْ بَعْد ذَلك.
ولا إشْكَال في تَأخُّر إجَابَة دَعَوَات الأنْبِيَاء. قَال ابنُ جُريج عَنْ دَعْوَة مُوسَى ﵊ على فِرْعَون: يَقُولُون: إنَّ فِرْعَون مَكَثَ بعد هَذه الدَّعْوة أرْبَعِين سَنَة.
وقال محمد بن كَعب وعلي بن الحسين: أرْبَعِين يَوْمًا (^٣).

(^١) أي: العلامة.
(^٢) دفع إيهام الاضطراب، مرجع سابق (ص ٣٥).
(^٣) نقلها ابن كثير في التفسير.

1 / 250