وضاق صدره وأظلم المشرق من جوّه؟ ينفس الرجل منهم على الرجل علمه، أو ينقم منه رأيه، أو يحقد عليه ظهور أمره ونباهة شأنه، فلا يجد وسيلة للنيل منه، إلا أن يلغ في عرضه، ويعيث في كرامة أهله. وربما أبصر الرجل منهم عرضه مصدوعًا، وشرفه مشدوها. فلا سبيل له إلا أن يتخذ لسانه كشباة العقرب، يصيب به يمينًا وشمالا، عساه يدرأ عنه العيون المحدقة ويكف دونه غرب الألسنة المتوثبة. وسواء أحقت تلك الأراجيف أم أفكت، فإن ذيوعها في أمة من الأمم مما يؤول إلى سوء القدوة، وضعف النخوة وإغضاء العين على القذى، وتوطين النفس على المهانة، أسوة بمن قيل فيهم، وتعلة بمن سمع عنهم.
وبعد فقد درج المسلمون بعد أن سمعوا من آيات الله ما سمعوا على تنزيه المرأة وتكرمة اسمها، وصيانة سيرتها، واتهام أنفسهم دون اتهامها، فقد مَرّ عمر بن الخطاب في هدأة من الليل، بدار إحدى نساء المدينة، فسمعها تتغنى بقولها:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
فلم يعد - وهو أمضى المسلمين في ذات الله - إلا إلى نصر بن حجاج - وكان كأجمل الناس وجها - فنفاه إلى البصرة حتى لا تتمناه امرأة غير هذه.
وكانت في رجال قريش صرامة على نسائهم. ومنهم من كان يعمد إليهن بالأذى فأمّا رسول الله ﷺ فما ضرب في حياته امرأة ولا خادمًا. وهو الذي يقول: اتقوا الله في النساء واستوصوا بالنساء خيرًا وكان كأغضب ما يكون إذا سمع بامرأة يضربها زوجها.