254
ولا ينفع يوم القيامة هذا الجدال، ولا تغني تلك المعاذير، كما قال تعالى:" يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" (النحل ١١١)، إذن: لا حجة في الشرك، وقد قطع الله جل وعلا كل المعاذير، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ومن عدل الله تعالى أن لا يعذب أحدا قبل بعثة الرسل، فببعثهم انقطعت كل الحجج، وأغلقت كل السبل إلا من لم تبلغه الحجة قال تعالى:" وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ" (المؤمنون ١١٧)، "أي: لابينة ولا حجة له به، قال أهل العلم: لا حجة لأحد في دعوى الشرك، وإنما الحجة عليهم" (^١).
٤/ من صور الشرك:
صور الشرك كثيرة، ولذا حذر القرآن الكريم أشد التحذير من مواقعتها، أو التلبس بها.
وقد سدت الشريعة كل الأبواب المؤدية إلى الشرك، وحتى الشرك الأصغر؛ لأنه ذريعة للوصول للشرك الأكبر، وقد حمت الشريعة جناب التوحيد، من أن يدنس بياضه، أو يُعكر صفاؤه، يقول ابن القيم: "التوحيد أصلف (^٢) * شيء وأنزهه، وأنظفه، وأصفاه، فأدنى شيء يخدشه ويدنسه، ويؤثر فيه، فهو كأبيض ثوب يكون، يؤثر فيه أدنى أثر، وكالمرآة الصافية جدا، أدنى شيء يؤثر فيها، ولهذا تشوشه اللحظة، واللفظة، والشهوة الخفية، فإن بادر صاحبه وقلع ذلك الأثر بضده، وإلا استحكم وصار طبعا يتعسر عليه قلعه" (^٣).
فمن صور الشرك التي نبه عليها القرآن الكريم، وأشار إليها الإمام السمعاني:

(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤٩٥.
(^٢) * في معجم مقاييس اللغة: الصاد واللام والفاء أصل صحيح يدل على شدة وكزازة:٣/ ٣٠٥، والكزازة: الصلابة.
(^٣) ابن القيم: الفوائد: دار الكتب العلمية-بيروت، ط ٢، ١٣٩٣ هـ، (١٩٥).

1 / 254