258
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الليل ما الله صانع " (^١).
وفي الحديث: (الطيرة شرك) (^٢)، وفي الآخر: (من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك) (^٣)، وفي وجه كونها شركا، يقول الإمام النووي: "الطيرة شرك، أي اعتقاد أنها تنفع أو تضر، إذا عملوا بمقتضاها، معتقدين تأثيرها، فهو شرك؛ لأنهم جعلوا لها أثرا في الفعل والإيجاد" (^٤)، فكأنهم أشركوه مع الله (^٥)، ولذا أبطل النبي ﷺ لأن يكون لشيء منها تأثير في اجتلاب ضرر أو نفع، واستحب الفأل بالكلمة الحسنة يسمعها، من ناحية حسن الظن بالله تعالى (^٦).
إذن: إنما كان النبي ﷺ يكره الطيرة؛ لأنها من أعمال أهل الشرك؛ ولأنها تجلب سوء الظن بالله تعالى.
ووجه الشرك فيها: أن من اعتقد فيها ما كانت الجاهلية تعتقده فيها، فقد أشرك مع الله تعالى خالقا آخر، ومن لم يعتقد ذلك، فقد تشبه بأهل الشرك (^٧).
ولما كان التطير ربما يعتري القلب، ويهجم عليه، كما قال ابن مسعود: وما منا إلا: يعني: إلا من يعتريه التطير، وسبق إلى قلبه الكراهة فيه، والحل الناجح: (ولكن الله يذهبه بالتوكل) (^٨)، "أي بسبب الاعتماد عليه، والإسناد إليه سبحانه. وحاصله: أن الخطرة ليس بها عِبرة، فإن وقعت غفلة لا بد من رجعة، وأوبة من حوبة" (^٩).

(^١) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ١٠٤.
(^٢) أخرجه أبو داود في سننه، باب في الطيرة، ح (٣٩١٠).
(^٣) أخرجه أحمد في مسنده، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢١ هـ، ح (٧٠٤٥).
(^٤) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث-بيروت، ط ٢، ١٣٩٢ هـ، (١٤/ ٢١٩)
(^٥) المستدرك على مجموع الفتاوى: ٥/ ١٣٠.
(^٦) الخطابي: معالم السنن، المطبعة العلمية-حلب، ط ١، ١٣٥١ هـ، (٤/ ٢٣٥).
(^٧) أحمد القرطبي: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: دار ابن كثير، دمشق، ط ٥،١٤٣١ هـ، (٥/ ٦٢٨).
(^٨) أخرجه أبو داود في سننه، باب في الطيرة، ح (٣٩١٠)
(^٩) علي القاري: مرقاة المفاتيح:٧/ ٢٨٩٧، وانظر: السمعاني: تفسير السمعاني:٤/ ١٠٤.

1 / 258