مناقشة هذا الاستدلال:
نوقش هذا الاستدلال بأن هذا قياس مع الفارق، والقياس مع الفارق لا يصح، والفارق بين الأمرين أن الحدود تدرأ بالشبهات، والحقوق الأخرى لا تدرأ بالشبهات١.
هذا، وقد انتصر الشوكاني للرأي القائل بعدم قبول الرجوع عن الإقرار بعد كماله فقال٢: هذا الرجوع ليس بشبهة تدرأ بها حدود الله، ولا يصح الاستدلال على سقوط الحد بالرجوع عن الإقرار بما أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذي وحسنه، ورجال إسناده ثقات عن أبي هريرة: "أن ماعزا لما وجد مس الحجارة فر يشتد، فأخبروا بذلك رسول الله ﵌، فقال: "هلا تركتموه" لأنه لا يدل على أنه قد سقط عنه الحد بذلك، بل على أنه إذا ترك ورجع إلى رسول الله ﷺ قد يأتي بشبهة مقبولة.
وهكذا لا يصح الاستدلال بحديث جابر عند أبي داود، والنسائي "أن ماعزا صرخ بهم فقال: يا قومي ردوني إلى رسول الله ﷺ فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله ﵌ قال: "فهلا تركتموه وجئتموني به"، فإن رسول الله ﷺ إنما أراد رجوعه إليه للاستثبات إذا جاء بشبهة مقبولة.
على أنه قد روي في بعض طرق الحديث عند مسلم، والنسائي وأبي داود
١ نيل الأوطار، للشوكاني ج٧، ص٢٦٨، والمغني لابن قدامة ج٨، ص١٩٧، ونصب الراية، للزيلعي ج٣، ص١٦٧، وحاشية ابن عابدين ج٤، ص١٠، وبدائع الصنائع ج٧، ص٢٣٢، ص٢٣٣.
٢ نيل الأوطار للشوكاني، ج٧، ص٢٧٠، والسيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، ج٤، ص٣١٦، ٣١٧.