331

Al-Mawsūʿa al-fiqhiyya – al-Durar al-Saniyya

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

Publisher

موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net

المطلب الثاني: حكم من ترك صوم شهر رمضان متعمدًا كسلًا وتهاونًا
من ترك صوم شهر رمضان متعمدًا كسلًا وتهاونًا ولو يومًا واحدًا منه، بحيث إنه لم ينو صومه من الأصل، فقد أتى كبيرةً من كبائر الذنوب، وتجب عليه التوبة، وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم (١)، واختلفوا هل عليه القضاء أم لا؟ على قولين:
القول الأول: عليه القضاء (٢)، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على ذلك (٣)، وبه أفتى ابن باز (٤).
القول الثاني: لا يلزمه القضاء، وهو مذهب الظاهرية (٥)، واختاره ابن تيمية (٦)، وابن عثيمين (٧).
الأدلة:
أولًا: من الكتاب:
عموم قول الله تعالى: وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٢٩]
وجه الدلالة:
أنَّ ترْكَ صوم رمضان من تعدي حدود الله ﷿، وتعدي حدود الله تعالى ظلم، والظالم لا يُقبل منه.
ثانيًا: من السنة:
عموم حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». أخرجه البخاري ومسلم (٨)
فالقاعدة أن كل عبادة مؤقتة بوقت معين لا تقبل من صاحبها، إذا أخرت عن ذلك الوقت المعين بلا عذر، وعليه فمن ترك صوم رمضان لا يقبل منه لو صامه قضاء.
ثالثًا: القياس:
فكما لو أنه قدم هذه العبادة على وقتها - أي فعلها قبل دخول الوقت - لم تقبل منه، فكذلك إذا فعلها بعده لم تقبل منه إلا أن يكون معذورًا.

(١) «الكافي لابن عبد البر» (٢/ ١٠٩٢)، «مواهب الجليل للحطاب» (٣/ ٢٧٦)، «المجموع للنووي» (٣/ ١٤)، «مغني المحتاج للخطيب الشربيني» (١/ ٤٢٠)، «بدائع الصنائع للكاساني» (٢/ ٧٥)، «الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي» (١/ ١٩٥)، «مجموع فتاوى ابن باز» (١٥/ ٣٣٢). ونقل المناوي عن الذهبي قوله: (وعند المؤمنين مقرَّرٌ أن من ترك صوم رمضان بلا مرض ولا عرض أنه شر من المكاس والزاني ومدمن الخمر، بل يشكون في إسلامه ويظنون به الزندقة والانحلال) «فيض القدير» (٤/ ٤١٠ - ٤١١).
(٢) وذلك لأن ذمته مازالت مشغولةً بأداء الصوم المفروض عليه.
(٣) قال ابن عبد البر: (وأجمعت الأمة ونقلت الكافة فيمن لم يصم رمضان عامدًا وهو مؤمن بفرضه وإنما تركه أشرًا وبطرًا تعمد ذلك ثم تاب عنه، أن عليه قضاءه) «الاستذكار» (١/ ٧٧).
(٤) «مجموع فتاوى ابن باز» (٣/ ٣٣١، ٣٣٢، ٣٣٣ - ٣٣٤).
(٥) قال ابن رجب: (ومذهب الظاهرية أو أكثرهم: أنه لا قضاء على المتعمد، وحكي عن عبد الرحمن صاحب الشافعي بالعراق، وعن ابن بنت الشافعي، وهو قول أبي بكر الحميدي في الصوم والصلاة إذا تركهما عمدًا، أنه لا يجزئه قضاؤهما، ذكره في عقيدته في آخر مسنده، ووقع مثله في كلام طائفة من أصحابنا المتقدمين، منهم: الجوزجاني وأبو محمد البربهاري وابن بطة) «فتح الباري لابن رجب» (٣/ ٣٥٥)، وانظر «الاختيارات الفقهية لابن تيمية» (ص ٤٠٤).
(٦) قال ابن تيمية: (وتارك الصلاة عمدًا لا يشرع له قضاؤها ولا تصح منه بل يُكثر مِن التطوع، وكذا الصوم، وهو قول طائفة من السلف، كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي وداود وأتباعه وليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه) «الاختيارات الفقهية» (ص ٤٠٤).
(٧) قال ابن عثيمين: (أما لو ترك الصوم من الأصل متعمدًا بلا عذر فالراجح أنه لا يلزمه القضاء؛ لأنه لا يستفيد به شيئًا؛ إذ أنه لن يقبل منه، فإن القاعدة أن كل عبادة مؤقتة بوقت معين فإنها إذا أخرت عن ذلك الوقت المعين بلا عذر لم تقبل من صاحبها) «مجموع فتاوى ورسائل العثيمين» (١٩/ ٨٩ - ٩٠).
(٨) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) واللفظ له.

1 / 330