وجهه، فرقّ لهم وقالوا له: يا أبا لبابة! أترى أن ننزل على حكم محمد؟
قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه أنّه الذبح.
قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماي من مكانهما حتّى عرفت أنّي خنت الله ورسوله ﷺ، ثمّ انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله ﷺ حتّى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتّى يتوب الله عليّ ممّا صنعت، وعاهدت الله ألّا أطأ بني قريظة أبدا، ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا.
ولمّا تاب الله عليه قال:
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٠٢] .
فثار النّاس إليه ليطلقوه، فقال: لا، والله، حتّى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده، ومرّ عليه رسول الله ﷺ خارجا إلى صلاة الصبح، فأطلقه وقد أقام مرتبطا بالجذع نحو عشرين ليلة، تأتيه امرأته في كلّ وقت صلاة، فتحلّه للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع «١» .
آن «٢» لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم:
ونزل بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ فتواثبت الأوس، وقالوا:
يا رسول الله! إنّهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا «٣» بالأمس ما قد علمت، فقال رسول الله ﷺ: «ألا ترضون يا معشر الأوس
(١) سيرة ابن هشام: ج ٢، ص ٢٣٦- ٢٣٨.
(٢) أنى: أي حان.
(٣) يعنون بني قينقاع.