الآية الثالثة:
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ مريم: ٤٢، في هذه الآية ردٌ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:
- أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط
في هذه الآية ردٌ على المعطلة لصفات الله ﷿، عند قول إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾، لدلالتها على أن فاقد صفات الكمال لا يكون إلهًا ولا مدبرًا ولا ربًا، بل هو مذموم معيب ناقص.
قال ابن القيم ﵀: " فلو كان إله إبراهيم بهذه الصفة والمثابة لقال له آزر وأنت إلهك بهذه المثابة فكيف تنكر علي لكن كان مع شركه أعرف بالله من الجهمية وكذلك كفار قريش كانوا مع شركهم مقرين بصفات الصانع سبحانه وعلوه على خلقه" (١).
وهذه الصفات المنفية ﴿لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي﴾ هي الصفات التي أقرها النفاة المعطلة، ونسبوها إلى الله ﷿ تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا-، فأتى ذمها في هذه الآية، بأنها -أي آلهة المشركين- مسلوبة أوصاف الكمال، للدلالة على بطلان مذهب المعطلة النفاة، فلو كان الله ﷿ بهذه الأوصاف لما أنكرها إبراهيم ﵇، واستدلال على بطلان الإلهية بذلك.
- ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط
كما أن في قوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ﴾: استفهام استنكاري، للردِ على بطلان مذهب ممثلة الصفات، الذين صرفوا صفات الله ﷿ لغيره، فتعلقوا بهم من دون الله، وتوجهوا إليهم بأنواع من العبادة، وبالغوا في تقديسهم، فأتت هذه الآية للرد على أن المتصف بصفات الكمال والجلال هو المستحق لأن تصرف له هذه العبادة، وأصل عبادته ﷿: معرفته بما وصف به نفسه في كتابه وما وصفه به رسله؛ وأن كل ما دون الله ناقص لا يستحق أن تصرف له العبادة، كما في قوله: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾.
وهكذا نجد أن الممثلة وصفوا المخلوقين بصفات الخالق، فجعلوهم شركاء لله في صفاته ﷿، لذلك صرفت لهم العبادة والتعظيم، لاتصافهم بصفات الخالق زورا وبهتانًا، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ
(١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ٢٥).