وتولية أبى بكر وعمر بعده من تمام ذلك؛ فإنه لو قدم أحدًا من أهل بيته لكانت شبهة لمن يظن أنه كان ملكا، كما أنه لو ورث مالا لورثته لكانت شبهة لمن يظن أنه جمع المال لورثته. فلما لم يستخلف أحدًا من أهل بيته ولا خلف لهم مالا، كان هذا مما يبين أنه كان من أبعد الناس عن طلب الرياسة والمال، وإن كان ذلك مباحا، وأنه لم يكن من الملوك الأنبياء، بل كان عبد الله ورسوله.
كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: " إنى والله لا أعطى أحدا ولا أمنع أحدا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت ".
وقال: " إن ربى خيرنى بين أن أكون عبدًا رسولا ً أو نبيا ملكا، فقلت: بل عبدا رسولا ".
وإذا كان هذا مما دل على تنزيهه عن كونه من ملوك الأنبياء، فدلالة ذلك على نبوته ونزاهته عن الكذب والظلم أعظم وأعظم. ولو تولى بعده على أو واحد من أهل بيته لم تحصل هذه المصالح والإلطافات العظيمة.
وأيضًا فإنه من المعلوم أن الإسلام في زمن علىّ كان أظهر وأكثر مما كان في خلافة أبى بكر وعمر وكان الذين قاتلهم علىّ أبعد عن الكفر من الذين قاتلهم أبو بكر وعمر؛ فإن أبا بكر قاتل المرتدين وأهل الكتاب، مع ما حصل للمسلمين بموت النبي ﷺ من الضعف العظيم، وما حصل من الارتداد لأكثر البوادى، وضعف قلوب أهل الأمصار، وشك كثير منهم في جهاد مانعى الزكاة وغيرهم.
ثم عمر تولى قتال أمتين عظيمتين، لم يكن في العادة المعروفة أن أهل الحجاز واليمن يقهرونهم وهما فارس والروم، فقهرهم وفتح بلادهم. وتمم عثمان ما تمم من فتح المشرق والمغرب، ثم فتح بعد ذلك في خلافة بنى أمية ما فتح بالمشرق والمغرب كما وراء النهر والأندلس وغيرهما مما فتح في خلافة عبد الملك.
فمعلوم أنه لو تولى غير أبى بكر وعمر بعد موت النبي ﷺ، مثل علىّ أو عثمان، لم يمكنه أن يفعل ما فعلا؛ فإن عثمان لم يفعل ما فعلا، مع قوة الإسلام