والقول بالوجوب في ما ظهر فيه قصد القربة من الفعل المجرّد، أقوى منه في ما لم يظهر فيه ذلك القصد.
ونقل القول بالوجوب فيما ظهر فيه قصد القربة عن مالك (١) وعن ابن سريج، وأبي سعيد الإصطخري، وابن أبي هريرة، وابن خيران من الشافعية، وعن الحنابلة (٢) ونصره القاضي أبو يعلى الحنبلي في كتابه (العدة) (٣) وصرّح به من متأخري الشافعية الشيخ زكريا الأنصاري (٤)، والتزم أنه للوجوب في حقه ﷺ وحقنا حتى في ما لم يظهر فيه قصد القربة.
القول الثاني: أنه يحمل على الندب في حقه ﷺ، وهو أصحّ الأقوال في ما ظهر فيه قصد القربة. إذ إن القربة دائرة بين الوجوب والندب، فالمباح لا قربة فيه.
ولما دارت القربة بين الوجوب والندب، وكان حمله على الوجوب لا بدّ له من دليل، إذ هو أمر زائد على مجرد القربة، كان الأولى حمله على الندب لأنه المتيقن، والوجوب مشكوك فيه.
وقال أبو شامة: "هو متردّد بين أن يكون مندوبًا له، أو واجبًا عليه وجوب الخصوصية. إذ لو كان واجبًا مشتركًا لوجب عليه أن يبلغه المكلّفين. فلما لم يفعل دلّ على أنه غير واجب عليهم. ثم إذا وقع التردد بين كونه مندوبًا إليه، أو واجبًا عليه، غلب على الظن كونه مندوبًا، لغلبة المندوب في أفعاله ﷺ وقلة ما اختصّ به من الواجبات" (٥) وفي هذا التقسيم نظر يعلم مما يأتي في قول الندب.
وأما القول بالندب في ما لم يظهر في قصد القربة، فقد وجّه بأن الغالب من أفعاله ﷺ المندوبات. وهو توجيه ضعيف.
وقد قال الشوكاني (٦) بالندب، ووجّهه بأن فعل النبي ﷺ وإن لم يظهر فيه
(١) تيسير التحرير ٣/ ١٢٢
(٢) الآمدي: الأحكام ١/ ٢٤٨
(٣) العدة ق ١٠٥ أ.
(٤) غاية الوصول شرح لب الأصول ص ٩٢
(٥) المحقق ق ١١ أ
(٦) إرشاد الفحول ص ٣٨