333

Afʿāl al-Rasūl ﷺ wa-dalālatuhā ʿalā al-aḥkām al-sharʿiyya

أفعال الرسول ﷺ ودلالتها على الأحكام الشرعية

Publisher

مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع

Edition

السادسة

Publication Year

١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م

Publisher Location

بيروت - لبنان

عرفة. فهذا ونحوه أفعال صدرت منه ﷺ تحتمل القربة، وإن لم يظهر لنا فاستحبّ علماء المذهب متابعته والتأسيّ به فيها. وهي في هذا الباب بمثابة الأوصاف الشبهيّة في باب القياس، إلا أنها مخطوطة الدرجة عما ظهر فيه قصد القربة. فيكون الاستحباب فيها آكد مما لم يظهر فيه قصد القربة، ويكون الاستحباب فيما وجب عليه ﷺ آكد، لأن مصلحته أتم بدليل تحتمه عليه.
فهذه ثلاث درجات: أعلاها متابعته ﷺ في ما وجب عليه.
وبعدها متابعته في ما نُدِب إليه، أوفيما لم تعلم صفته، لكن ظهر فيه قصد القربة.
والدرجة الثالثة ما احتمل القربة وإن لم تظهر.
وبعد هذه الدرجات درجة رابعة، وهي متابعته ﷺ في الأفعال التي يكاد يقطع فيها بخلّوها من القربة، كهيئة وضع أصابع اليد اليمنى في التشهد، فتستحب المحافظة عليها والأخذ بها ما أمكن، تدريبًا للنفس الجموح، وتمرينًا لها على أخلاق صاحب الشرع، لتعتاد ذلك، فلا تخلّ بعده بشيء مما فيه قربة. فهذا ونحوه هو الذي يظهر لي أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يلاحظه، فأخذ نفسه بالمحافظة على جميع آثاره ﷺ ... فالمتّصف بالإيمان، من علامات صحّة إيمانه ومحبته لرسول الله ﷺ التبرك بآثاره، والاتّباع فيها. فهي -وإن لم تصدر من رسول الله ﷺ قربةً - قربةٌ. فنحن نرجو بفعلها التقّرب إلى الله تعالى، لما انطوى عليه فعلنا لها من محبته ﷺ التي حملتنا عليها، ولما يُحْدِث ذلك من رقة القلب بتذكره ﷺ". اهـ.
ثم نقل أبو شامة عن ابن عَبْدان قوله: "أفعال النبي ﷺ التي لم تحصل منه على وجه القُرَب، يستحبّ التأسّي به فيها، رجاء بركته، مثل أكله وشربه وعطائه ومعاشرته لنسائه، وجميع أفعاله المتعلقة بأمور الدنيا. يستحب التأسّي به في جميع ذلك". اهـ.

1 / 343