بالوجوب. قال: فإن قالوا: بتقدير أن يعتقد الرسول أن تلك الأفعال غير واجبة على الأمة كان اعتقاد الأمة وجوبها عليها مخالفة، وتركًا للمتابعة. قلنا: الاعتقاد أمر خفيّ متعارض، فثبت أنّا إن اعتبرنا الاعتقاد جاء التعارض، فوجب اطّراحه والاقتصار على الأفعال الظاهرة (١).
وبمثله أجاب أبو الطيّب الطبريّ (٢).
وهذه شبهة مطّرحة. لأن من أُمِر بالتأسي فيما لا يعلم وجهه، وقد استطاع أن يستدل عليه بالأمارات، فلم لا يفعل؟ ثم إن فعل فأخطأ فلا يصح نسبته إلى المخالفة وترك الاتّباع. بل هو مجتهد مأجور. ولا يقتضي ذلك جواز المخالفة في معلوم الحكم.
شبهة ثالثة: وقد أثارها أبو شامة. فقد بيّن أن من فعل فعلًا من العبادات لا يدري أواجب هو أم مندوب، أن عبادته صحيحة. ثم إن كان الشرع يقتضي وجوبها، وقع فعله واجبًا وأجزأ عنه، وإلا فيقع ندبًا، وله الأجر على كلّ حال. وكذلك لو نوى العبادة المعيّنة مطلقًا، أعني دون أن ينوي أنها فرض أو نفل، فعبادته صحيحة.
ثم استدل لذلك.
ثم احتّج بهذا على أن التأسي لا يشترط فيه معرفة حكم القربة التي علم أن النبي ﷺ تقرّب بها، بل يكفي عنده معرفة أنها قربة، وتميّزها مما ليس بقربة. ورأى أن ذلك يقتضي أنه لا يشترط في التأسي المساواة في حكم الفعل (٣).
وفي سبيل الرد على ذلك نحب أن نبيّن، أن قول المساواة، وهو الذي نختاره، يوافق قول الندب فيما عُلِم أن النبي ﷺ فعله ندبًا، وفيما جهل حكمه مما ظهر فيه قصد القربة.
(١) أبو شامة: المحقق ق ١٨ ب.
(٢) أبو شامة: المحقق ١٨ ب.
(٣) المحقق ق ٢٠ - ٢٣