ويبقى الخلاف في نوعين: الأول ما علم أنه ﷺ فعله على سبيل الوجوب، والثاني: ما علم أنه فعله على سبيل الإباحة، والمحمول عليه.
فأما في الثاني فبطلان دعوى أبي شامة واضح، لأن ما جاز على سبيل العادة والإباحة لا يجوز فعله على سبيل العبادة، فالله تعالى لا يُعْبَد إلا بما شرع. والمباحات لا يتعبّد بها، وذلك أصلٌ مقرّر في الشريعة.
وأما في الأول. وهو معلوم صفة الوجوب، فإن من التحدّي والمباينة لرسول الله ﷺ أن يفعل الشيء واجبًا، ونحن نعلم ذلك، ثم لا نتابعه فيه، فهذا خلاف التأسّي. نعم: من جهل حكم القربة فأطلق النّيّة فلا بأس بذلك في بعض صور العبادات، وكذا مَنْ علمه فيطلق النية (١). أما أن يعلم صفة النية من رسول الله ﷺ ثم يتعمّد أن ينوي خلافها، فإنه مشاق ومعاند، بل ومبتدع متباعد. والله الهادي إلى أقوم طريق.
شبهة رابعة: قالوا التساوي في حكم الفعل قد ثبت عدم اعتباره في صور من التأسّي والاقتداء معترف بها، فيدل ذلك على أن التأسّي لا يشترط لحصوله ما ذكرتم من الساواة في الحكم.
فمن الصور المشار إليها اقتداء المصلي المتنفل بالمفترض، والاتفاق حاصل على صحته، واقتداء المفترض بالمتنفل، وهو جائز عند الشافعي وغيره (٢). وكمن خرج لجهاد فتبعه آخر يريد التجارة يسمى متبعًا له في سفره، وإن خالفه في قصده (٣).
ونحن نقول: حقيقة التأسّي والمتابعة الساواة من جميع الوجوه، فإذا دل الدليل على سقوط شيء، بقي ما عداه على الأصل (٤). ومن هنا تَطَلَّبَ الفقهاء الأدلة على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل وعكسه. وليس حكم الفعل مما قام الدليل على سقوطه. فيجب التزام المساواة فيه.
(١) انظر: السيوطي: الأشباه والنظائر ص ١٨
(٢) ابن قدامة: المغني ٢/ ٢٢٥، ٢٢٦
(٣) أبو يعلى: العدة ق ١٠٤ أ.
(٤) الأنصاري: فواتح الرحموت ٢/ ١٨١