إبطال قول الوجوب
قول الوجوب في الفعل المجرد، سواء أكان مجهول الصفة أو معلومها، قول مردود، لا يثبت له أساس. ويغلب على ظني أنه لو أمكن التنقيب لتبين أن من نسب إليهم القول به من الأئمة، براء منه. وخاصة في ما لم يظهر فيه قصد القربة. وقد قال الجويني: "نسبوه -يعني القول بالوجوب- إلى ابن سريج، وهو زلل في النقل عنه. وهو أجلّ قدرًا من ذلك" (١).
ويكفي في بطلانه عدم الدليل على صحته.
ويمكن إبطاله أيضًا بالأدلّة التالية:
الأول: أنه يلزمنا على هذا القول تناقض، لأن من المعلوم أن النبي ﷺ كان يفعل الشيء من المندوب والمباح في وقت، ثم لا يفعله، أو يفعل ضده، في وقت آخر، فمقتضى قول الوجوب أنه يجب علينا فعل الشيء وضده، أو فعله وتركه. وذلك إما أن يكون في وقت واحد، أو في وقتين مختلفين، فإن كان في وقتين مختلفين فذلك نفي للوجوب، لأن الواجب لا يجوز تركه. وإن كان في وقت واحد لزم التناقض، وهو محال (٢).
الثاني: أنه يقتضي أن الفعل يجب علينا إن فعله النبي ﷺ مباحًا أو مندوبًا. وهذا ضد التأسّي والاتباع المأمور بهما في القرآن (٣).
وقد حاول المنتصرون لهذا القول أن يردّوا هذا الدليل بمثل ما ردّه به أهل مذهب الندب، ولكن لا يتم لهم ذلك. وقد تقدّم بيانه.
الثالث: حديث عائشة ﵂: قالت: "إنْ كان رسول الله ﷺ
(١) الزركشي: البحر المحيط ٢/ ٢٥٠ أ.
(٢) أشار إلى هذا الاستدلال أبو الحسين البصري في المعتمد (١/ ٣٨١) والعضد في شرحه لمختصر ابن الحاجب (٢/ ٨٤)
(٣) أبو الخطاب الحنبلي: التمهيد ق ٩٠ أ.