فهو أفضل (١)، فعلى هذا: الإحرام من الأبعد أفضل، والتضحية بالبقر أفضل من الغنم، وبالإبل أفضل، وكلما كان أكثر فضلًا فهو خير، ما لم يخرج إلى حيّز التشديد والإرهاق. وكذلك نرى أن إتمام الصلاة في السفر أفضل، على القول بأنه جائز. وإنما يكون هذا في حق من لا يقتدى به، أما من يُقْتَدى به فينبغي أن يعمد إلى التيسير والتسهيل لئلا يشقّ على المقتدين، ويكون في حقّه من هذه الناحية أفضل، ويحمل فعله ﷺ بالاجتزاء من بعض الأعمال بالقليل، على هذا المحمل، أو غيره من المحامل. والله أعلم وأحكم.
تمايز المندوبات في الدرجة، ودلالة الأفعال على ذلك:
من المعلوم أن المندوبات تتمايز في القوة، فبعضها آكد من بعض، وقد يتبين التأكّد بالقول، وهو كثير. وقد يتبيّن بالفعل، وذلك على أنواع فمنها:
أولًا: أن يحافظ ﷺ على المندوب حتى مع قيام الأعذار، وذلك كركعتي الفجر والوتر، فقد قضى ركعتي الفجر في السفر لما نام عنهما، و"لم يكن على شيء من النوافل أشدّ تعاهُدًا منه على ركعتي الفجر" (٢) وكذلك حافظ على الوتر، حتى إنه أوتر على بعيره (٣)، فإن ذلك يدلّ من جهة تركه ﷺ لما عداها من الرواتب وإفرادها بالمحافظة عليها، على أنها آكد من غيرها. وقد قيل بوجوبها عليه ﷺ خاصة، ولا يثبت ذلك.
ثانيًا: أن يظهر ﷺ الاعتناء بالمندوب والاحتفال به، كما في صلاة العيد عند من يقول بندبيّتها، وصلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء، فإنّ فعلها في جماعة، ودعوة الناس لها، مظهران لتأكّدها، حتى لقد قال الحنابلة بوجوب صلاة العيد على الكفاية، وقال الحنفية بوجوبها على الأعيان (٤).
(١) هذه إحدى القواعد الفقهية المشهورة، ذكرها السيوطي بهذه الصيغة "ما كان أكثر فعلًا، كان أكثر فضلًا" (الأشباه والنظائر ص ١٤٣).
(٢) متفق عليه (نيل الأوطار ٣/ ٢١).
(٣) رواه الجماعة (نيل الأوطار ٣/ ٣٢).
(٤) المغني لابن قدامة ٢/ ٣٦٧ والقول بأنها سنة مؤكدة هو قول الشافعية والمالكية.