290

Al-Barāhīn al-qāṭiʿa fī sharḥ Tajrīd al-ʿaqāʾid al-sāṭiʿa

البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة

** أقول

وقد ذهب جماعة من القدماء إلى أن النفس تعقل الأمور الكلية بذاتها من غير احتياج إلى آلة ، وتدرك الأمور الجزئية بواسطة قوى جسمانية هي محال الإدراكات (1)، خلافا لمن قال : إن مدرك الجزئيات على وجه كونها جزئيات هو الحواس (2).

والحكم الأول ظاهر ؛ فإنا نعلم قطعا أنا ندرك الأمور الكلية مع اختلال كل عضو يتوهم كونه آلة للتعقل ، وقد سلف تحقيق ذلك.

وأما الحكم الثاني وهو إدراك الجزئيات مع افتقارها في الإدراك الجزئي إلى الآلات فلأنا نحكم بين الكلي والجزئي ، والحاكم بين الشيئين لا بد أن يدركهما ، وأنا نميز بين الأمور المتفقة بالماهية المختلفة بالوضع من غير استناد إلى خارج ، كما أنا نفرق بين العين اليمنى واليسرى من الصورة التي نتخيلها ونميز بينهما مع اتحادهما في الحقيقة واختلافهما في الوضع ، فليس الامتياز بينهما بذاتي ولا بما يلزم الذات ؛ لغرض تساويهما ، بل لأمور عارضة.

ثم اختصاص كل واحدة منهما بعارضها ليس بالمحل الخارجي ؛ لأن المتخيل قد لا يكون موجودا في الخارج ، فليس امتياز إحداهما بكونها يمنى والأخرى بكونها يسرى إلا بالمحل الإدراكي ، والمجرد لا يصلح أن يكون محلا لذلك ، فتعينت الآلة الجسمانية.

Page 360