** أقول
وقد ذهب جماعة من القدماء إلى أن النفس تعقل الأمور الكلية بذاتها من غير احتياج إلى آلة ، وتدرك الأمور الجزئية بواسطة قوى جسمانية هي محال الإدراكات (1)، خلافا لمن قال : إن مدرك الجزئيات على وجه كونها جزئيات هو الحواس (2).
والحكم الأول ظاهر ؛ فإنا نعلم قطعا أنا ندرك الأمور الكلية مع اختلال كل عضو يتوهم كونه آلة للتعقل ، وقد سلف تحقيق ذلك.
وأما الحكم الثاني وهو إدراك الجزئيات مع افتقارها في الإدراك الجزئي إلى الآلات فلأنا نحكم بين الكلي والجزئي ، والحاكم بين الشيئين لا بد أن يدركهما ، وأنا نميز بين الأمور المتفقة بالماهية المختلفة بالوضع من غير استناد إلى خارج ، كما أنا نفرق بين العين اليمنى واليسرى من الصورة التي نتخيلها ونميز بينهما مع اتحادهما في الحقيقة واختلافهما في الوضع ، فليس الامتياز بينهما بذاتي ولا بما يلزم الذات ؛ لغرض تساويهما ، بل لأمور عارضة.
ثم اختصاص كل واحدة منهما بعارضها ليس بالمحل الخارجي ؛ لأن المتخيل قد لا يكون موجودا في الخارج ، فليس امتياز إحداهما بكونها يمنى والأخرى بكونها يسرى إلا بالمحل الإدراكي ، والمجرد لا يصلح أن يكون محلا لذلك ، فتعينت الآلة الجسمانية.
Page 360