وَتَعَالَى وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يَقُولُ مَا حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنِ النَّبِيِّ مُسْتَحْسِنِينَ لَهُ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا وَقَدْ جِئْتُكَ مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذَنْبِي مُسْتَشْفِعًا بِكَ إِلَى رَبِّي ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ * فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ الْقَاعُ وَالْأَكَمُ
نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ * فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ
أَنْتَ الشَّفِيعُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ * عَلَى الصِّرَاطِ إِذَا مَا زَلَّتِ الْقَدَمُ
وَصَاحِبَاكَ فَلَا أَنْسَاهُمَا أَبَدًا * مِنِّي السَّلَامُ عَلَيْكُمْ مَا جَرَى الْقَلَمُ
قَالَ ثُمَّ انْصَرَفَ فَغَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ فَقَالَ: يَا عُتْبِيُّ الْحَقِ الْأَعْرَابِيَّ وَبَشِّرْهُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لَهُ. ثُمَّ يَتَقَدَّمُ إِلَى رَأْسِ النَّبِيِّ فَيَقِفُ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْأُسْطُوَانَةِ الَّتِي هُنَاكَ وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُمَجِّدُهُ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا أَهَمَّهُ وَمَا أَحَبَّهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَنْ شَاءَ مِنْ أَقَارِبِهِ وَأَشْيَاخِهِ وَإِخْوَانِهِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يَأْتِي الرَّوْضَةَ فَيُكْثِرُ فِيهَا مِنَ الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي وَيَقِفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَيَدْعُو.
(١) وفى رواية كما فى الحاشية: (ما بين منبرى وبيتى) وفى أخرى (ما بين حجرتى ومنبرى) ولا اختلاف لأنّ قبره ﷺ فى بيته والبيت هو الحجرة.
(٢) قال فى الحاشية: قيل ومعنى كونه روضة من رياض الجنة أنّ العمل فيه يوصّل لذلك وفيه نظر، والأولى ما قاله الإمام مالك وغيره رحمهم الله من بقائه على ظاهره فينقل إلى الجنة، وليس كسائر الأرض يذهب ويفنى، أو هى من الجنة الآن حقيقة وإنْ لم تمنع نحو الجوع، عملًا بأصل الدار الدنيوية، وأنها آيلة للفناء، ومعنى قوله: (ومنبرى على حوضى) أنّ ملازمة الأعمال الصالحة عنده تورد الحوض كذا قيل، وقيل يعيده الله على حاله فينصبه على حوضه وهو الأولى أيضا لأنّ الأصل بقاء اللفظ على ظاهره الممكن اهـ.