Al-Jawhara al-Munīra
الجوهرة المنيرة
فإنه وصل كتابكم [190/أ] الكريم وخطابكم القويم، تذكرون أنكم أنفذتم الرسالة التي أرسلناها إليكم لتبليغها إلى من رجونا أن يأخذ الله بناصيته إلى التوفيق ويهديه إلى سواء الطريق، وأنه قابلها بالقبول الكبير، والإجلال الجم الغفير، وأنكر كثيرا منها أعظم نكير، وكان من الطائفة الأخرى السيد الذي اشتهر بالتبجيل (ونظر بعين التجليل) (1) عند أهل حضرموت زين العابدين بن عبد الله بن الشيخ العيدروس(2)، وأنه وصل إليكم منه الجواب الذي أرسلتموه إلينا وأوفدتموه علينا فالجواب المذكور وقفنا عليه، وتأملناه ولاح لنا من فصوله ومما قرره من أصوله أن السيد المذكور، لم يكن له من جودة التحقيق وصحة النقل من الثقات ما يعتمد عليه؛ لأنه زرى على سلفه الصالح قدس الله أرواحهم وقال فيهم بغير يقين وجعل أحوالهم فيما أثره عنهم غضين، ولم يعلم أن قيام القائم منهم لموجب شرعي وسكون الساكن منهم لمانع شرعي مع تلهفه على عدم الأعوان واعتذراه إلى الله بعدم القدرة على الحرب العوان، ثم عد السيد المذكور نفسه في الساكنين منهم متأسيا والقافين لهم مقتديا، وليس المذكور من أولئك في عير ولا نفير، ولا قبيل ولا دبير، ولو كشف الحقائق واستوضح الطرائق لعلم سبب تركهم قتال الظالمين ومنابذة الفاسقين، فأعاذه الله أن يكون ممن قال فيه أمير المؤمنين -عليه السلام- بعد أن ذكر حال العلماء المهتدين مالفظه: (وآخر قد تسمى عالما وليس به فاقتبس جهائل من جهال، وأضاليل من ضلال ونصب للناس أشراكا من حبال غرور، وقول زور، قد حمل الكتاب على آرائه وعطف الحق على أهوائه يؤمل العظائم ويهون كبير الجرائم، يقول أقف عند الشبهات، وفيها وقع، ويقول أعتزل الفتن وبينها اضطجع، لا يعرف باب الهدى فيتبعه، ولا باب العمى فيصد عنه). وقد صدر من الجواب عن السيد ما اقتضاه الحال على جهة الإيجاز والإجمال فإن كان يؤنس من المذكور إنصاف وقبول للحق فيما عزا [190/ب] إلى أولئك الأسلاف الذين هديهم أضوء من القمر في الأسداف، وأبهى من الجواهر في الأصداف، وسعنا له دائرة الإبانة ومن الله نستمد الإعانة ونقلنا حقائق الأمور من مظانها معلومة صحة برهانها. وإن اقترح أن يكون ذلك من كتب من رأيه خلاف مذهب العترة -عليهم السلام- لوقوف السيد المذكور بهم وسوء ظنه في سلفه رضي الله عنهم التزمنا له هذا الشرط وبسطنا بعض البسط إن شاء الله تعالى والحق ما شهدت به الأعداء، انتهى.
وأما أخبار عدن ولحج ونواحيها، فإنه كان في بندر عدن وال وفي لحج وال ومعهما عسكر كثير، وكان الأمير عبد القادر بن محمد(1) صاحب أبين(2) وآباؤه من ملوك اليمن لهم عوائد من عدن وعليهم طرقات يحفظونها، فكان حيدر باشا قطعهم شيئا ممما يعتادونه وطلبهم ما لا يعتادونه، وطلب من الأمير عبد القادر الوصول إليه إلى صنعاء، ولم يعتد ذلك ممن سبق قبله ممن ولي اليمن وأطلعه رسوله إلى جانب قعطبة(3)، وبلغه خروج الإمام -عليه السلام- فعاد بلاده، ولما بلغه الظهور وفتح كوكبان بعث إلى مولانا الحسن يطلب من يصل إليه يستخلفه على القيام مع الإمام، وجمع جموعه وأخذ عدن ثم لحج وظهر سلطانه في تلك النواحي، وضرب السكة وانتشر ذكره وضرب به المثل، وكان يروى فيه محبة صادقة للإمام -عليه السلام-، وفي الأشراف عموما، وفيه نزاهة مما أهله عليه، ووضع قاعدة لمولانا الحسن رحمه الله لم يتخلف عنها وكان يأتيه رسول مولانا الحسن كل عام للحصة من البندر، ويعين بالأموال والخيل كما سيأتي في أخبار حصار تعز والمخا وزبيد إن شاء الله تعالى.
وكان السفير(4) إليه السيد الفاضل عز الدين محمد بن حميد الدين بن عاهم(5) من المدائر، وكان هذا السيد من أهل الكمال فأحسن دعاه وعرفه الصواب.
فصل
ولنرجع إلى حصار صنعاء وحروبها [191/أ] وما اتفق فيها من الحوادث ذكرنا أول حرب ومن استشهد فيه.
Page 313