191

Al-sīra al-nabawiyya

السيرة النبوية

الكفالة السريعة للمهاجرين عن طريق المؤاخاة
كانت هذه المؤاخاة مؤاخاة حقيقية، وكان لهذا الأمر تطبيقات عملية كثيرة في حياتهم، ومن أشهر القصص في ذلك ما حدث بين سعد بن الربيع أحد كبار الأنصار ﵁، ومن شهداء أحد كما سنبين إن شاء الله في الدروس القادمة، وبين المهاجري عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه، والذي كان تاجرًا في مكة، لكنه ترك كل شيء، وأتى المدينة المنورة بلا شيء.
روى البخاري ﵀ عن أنس بن مالك ﵁ وأرضاه: أن سعد بن الربيع ﵁ قال لـ عبد الرحمن بن عوف: إني أكثر الأنصار مالًا فسأقسم مالي نصفين.
كان سعد بن الربيع رجلًا غنيًا عنده أموال كثيرة، ولو أعطى عبد الرحمن بن عوف (٥%) أو (١٠%) من ماله فهذا كثير، ومع ذلك من تجرده وحبه لأخيه وشعوره الكامل بأن هذه أخوة في الله، قال: سأقسم مالي نصفين.
ولكي تتأكد من صعوبة هذا الأمر تخيل نفسك أنك تفعل هذا الأمر، تخيل أحد إخوانك في أزمة، فأتيت برصيدك الذي في البنك إذ كنت غنيًا، وقمت بتقسيم هذا المال بينك وبينه، هذا أمر شاق وصعب، لكن الأمر الثاني أصعب وأصعب، فقد قال سعد بن الربيع: ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها.
سبحان الله! هذا أمر عجيب وغريب، لكن عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه كان نبيل النفس، قال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ يريد أن يعمل، ويخرج رزقه من تعبه وكده، خاصة أنه أحد التجار المشهورين في الإسلام، فدلوه على سوق بني قينقاع، وتاجر حتى كثر ماله.
الشاهد في القصة أن المؤاخاة كانت حقيقية، ولم تكن هذه المؤاخاة فقط للإيواء المالي والاقتصادي والسكني للمهاجرين ﵃ وأرضاهم، ولكن كانت مؤاخاة في كل شيء، وكان الأخ يطمئن على أخيه في أمور الآخرة، كما كان يطمئن عليه في أمور الدنيا، وقصة سلمان الفارسي ﵁ مشهورة، وذلك عندما آخى الرسول ﵊ بينه وبين أبي الدرداء ﵁ وأرضاه وأبو الدرداء من الأنصار؛ وسلمان الفارسي ليس من العرب أصلًا، بل هو من الفرس ﵁ وأرضاه، فانظر إلى عمق العلاقة التي كانت بين الاثنين، مع أن كل واحد منهما من أصل بعيد تمامًا عن الثاني.
ثبت في صحيح البخاري: أن سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه زار أبا الدرداء في بيته، فرأى أم الدرداء متبذلة: وفي رواية: رثة الهيئة، فقال لها سلمان وكان ذلك قبل فرض الحجاب على المسلمات-: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، وفي رواية: ليس له حاجة في نساء الدنيا.
فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال له سلمان: كل، فقال أبو الدرداء: إني صائم، قال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل.
قال: فأكل.
إذًا: وجد سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه مشكلة عند أخيه أبي الدرداء، وجده منصرفًا تمامًا إلى العبادة والصيام والقيام وترك أهل بيته، وهذه مشكلة عائلية حقيقية في داخل بيته، ففرغ سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه وقته لإصلاح مشكلة أخيه، وبدأ يضبط عنده بعض المفاهيم التي كانت ستربك له حياته وأسرته، فجلس معه وأقسم عليه أن يفطر ويقطع هذا الصيام، فقد كان الصيام نفلًا، فقطع أبو الدرداء الصيام، وأكل مع سلمان الفارسي، فلما كان الليل -أي: أول الليل- أراد أبو الدرداء أن يقوم الليل كله، فقال له سلمان: نم، فنام، ثم ذهب ليقوم فقال -أي: سلمان - نم، فلما كان آخر الليل قام سلمان وقال له: قم الآن، فصليا من آخر الليل، وأراد سلمان أن يعطي له خلاصة درس تربوي فرغ نفسه لهذا الدرس أربعًا وعشرين ساعة، قال: إن لربك عليك حقًا ولنفسك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا، وفي رواية الترمذي: ولضيفك عليك حقًا.
فأعط كل ذي حق حقه.
لم يقتنع أبو الدرداء ﵁ وأرضاه تمام الاقتناع، فذهب إلى الرسول ﵊ يشكو سلمان إليه أنه جعله يفطر وجعله يقوم من آخر الليل فقط، فقال ﷺ: صدق سلمان، يعني: ما قاله سلمان هو التوازن الذي يجب أن يكون عليه المسلم في حياته، وهو الحق والعدل.
الشاهد في ذلك أن سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه وهو فارسي كان أخًا لـ أبي الدرداء وهو عربي أنصاري، وكان سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه يدخل بيت أ

16 / 7