256

Al-sīra al-nabawiyya

السيرة النبوية

اختيار الرسول ﷺ مكان موقعة بدر وسماعه لمشورة الصحابة
علم الرسول ﷺ معلومات مهمة جدًا عن الجيش المكي، فقام بترجمتها إلى أعمال، وبسرعة أخذ الرسول ﷺ جيشه، واتجه إلى أرض بدر؛ ليختار الأرض التي ستتم عليها الموقعة قبل عدوه، حتى يضع جيشه في مواقع إستراتيجية داخل أرض الموقعة، واختار الرسول ﵊ بنفسه مكانًا للنزول في أرض بدر، واستقر فيه في تلك الليلة، فجاء إليه الصحابي الجليل الحباب بن المنذر ﵁ من الأنصار، وهو من الخبراء العسكريين المعروفين بدقة الرأي وعمق النظرة، وسأل النبي ﵊: (يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلك الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟)، يعني: إن كان هذا هو اختيار رب العالمين ﷾ فليس لنا أن نختار، وإن كان اختيارًا بشريًا مبنيًا على الفكر العسكري والتدبير الحربي فمن الممكن أن ندلي فيه بآرائنا، فقال ﷺ: (بل هو الرأي والحرب والمكيدة، قال: يا رسول الله! فإن هذا ليس بمنزل)، أي: هذا ليس مناسبًا، قالها بوضوح دون خجل ولا مواربة؛ لأن الموضوع خطير وهذه مسئولية، فما الرأي إذًا؟ (قال الحباب: فانهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم -أي: أقرب ماء من قريش- فننزله وتغور -يعني: تخرب- ما وراءه من القلب -جمع قليب الآبار الموجودة في منطقة بدر- ثم نبني عليه حوضًا فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون)، هذا هو منتهى الحكمة، فالماء في الصحراء في غاية الأهمية، فقال الرسول ﵊ دون أدنى تردد: (لقد أشرت بالرأي)، وبالفعل غير مكانه الأول ونزل في المكان الذي أشار إليه الحباب بن المنذر ﵁.
ولنا وقفة مهمة مع إيجابية الحباب ﵁، قد يتخيل الواحد منا أن أي واحد من الصحابة إذا رأى الرسول ﵊ عمل شيئًا لا يقول رأيه؛ لاحتمال أن يكون وحيًا، حتى ولو لم يكن وحيًا لا يقول، والرسول ﷺ أحكم البشر وأفضل العالمين، ومن المؤكد أن رأيه البشري أحسن من رأي الآخرين، لكن هذا التصور لم يكن عند الصحابة، بل الصحابة ﵃ وأرضاهم كان عندهم إيجابية رائعة، فلو رأى الصحابي شيئًا ويعتقد أن هناك ما هو أولى منه يذهب ويدلي برأيه، حتى لو لم يطلب منه ذلك؛ لأنه يدرك أن الرسول ﷺ بشر، ويجري عليه في الأمور التي ليس فيها وحي ما يجري على عامة البشر من اختيار صحيح مرةً وخطأ مرةً أخرى، أو على الأقل يختار خلاف الأولى في أمر من الأمور.
وهكذا أدرك الحباب أن الرسول ﷺ هو الذي قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، وهكذا يفتح الرسول ﵊ المجال الواسع لكل فكر وإبداع وإضافة، وبهذا تشارك كل عقول المسلمين لخدمة الأمة الإسلامية، فلو كان رأي الحباب خطأً فإن الرسول ﷺ سيعرفه الرأي الصحيح، ويكون قد تعلم شيئًا، أو على الأقل قاتل وهو مقتنع بوجهة النظر الأخرى.
وهذا يرجعنا إلى مبدأ الشورى من جديد، ويرينا كيف نستفيد من طاقات المجتمع؟ وكيف يمكن أن نستغل المواهب الهائلة التي وزعها الله على خلقه بحكمة عجيبة؟ فلو كان هناك كبت لآراء الجنود لما عرف الرسول ﵊ المكان المناسب في بدر، وهذا سيكون له ضرر على الأمة كلها لا على الرسول ﷺ فقط.
فالشورى أمر حتمي لأمة تريد النهوض، فإنه بعد النزول في المكان الذي حدده الحباب ﵁ قام الصحابة بالإشارة على رسول الله ﷺ بأمر اختلف فيه الرواة، وهو بناء العريش أو مقر القيادة؛ لكن سواء تم بناء هذا العريش أو لم يتم، فإن الثابت حقيقة أن الرسول ﵊ لم ينعزل عن جيشه أبدًا في موقعة بدر، فمع أنه القائد الأعلى للجيش قاتل معهم بنفسه، بل كان أقربهم إلى العدو.
روى الإمام أحمد بن حنبل عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه أنه قال: (لما حضر البأس يوم بدر اتقينا برسول الله ﷺ، وكان من أشد الناس ﷺ، ثم يقول علي بن أبي طالب: ما كان أحد أقرب إلى المشركين منه).
فهذا كلام في منتهى الأهمية؛ لأنه يثبت لنا أن الرسول ﵊ كان مشاركًا لجيشه ولشعبه، ويعيش معهم في كل قضاياهم.

21 / 4