320

Al-sīra al-nabawiyya

السيرة النبوية

التفاف المشركين حول رسول الله ﷺ وتسجيل الصحابة أروع البطولات في الدفاع عنه
كان الرسول ﵊ في آخر الجيش المسلم ينظم الصفوف، ولما التف خالد بن الوليد حول الجيش الإسلامي، كان أول فرقة من المسلمين قابلها هي الفرقة التي فيها الرسول ﵊، ولم ير خالد بن الوليد الرسول ﵊، لكن ما هي إلا دقائق وسيظهر؛ لأنه آخر الصفوف، فلابد أن يختار ﷺ أحد اختيارين: إما أنه يهرب بالتسعة إلى أي مكان في أرض المعركة حتى يستطيع أن يقاوم من جديد، وإما أن ينادي الجيش حتى يجتمع من جديد، ويبدأ في محاولة لاستعادة الموقف على أرض أحد.
لكن لو نادى ﷺ الناس فمن المحتمل أن المشركين الذين باغتوا المسلمين من الخلف يسمعون صوته، ولو سمعوا صوته لأحاطوا به ﵊ وقتلوه، ومع ذلك في شجاعة نادرة اختار الرسول ﵊ الحال الثاني، ونادى بأعلى صوته لاستعادة الموقف من جديد قال: (إلي عباد الله! إلي عباد الله! أنا رسول الله) وهكذا بدأ يعلي صوته؛ ليسمع المسلمون.
صار المسلمون في حالة اضطراب شديدة جدًا، فذاك ينظر قدامه، وذاك ينظر وراءه، والمشركون في حالة نشاط عجيب، وصار الموقف مأساويًا، سمع خالد بن الوليد الرسول ﷺ ينادي، فانطلق إلى المنطقة التي فيها رسول الله ﷺ وحاصرها، وبدأت الفرقة التي حول الرسول ﵊ تقاتل قتالًا شديدًا، تسعة ضد فرقة كاملة من الفرسان، والرسول ﷺ يشجعهم ويقول: (من يردهم عنا وله الجنة -أو يقول-: من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة).
فتقدم أنصاري وقاتل قتالًا شديدًا حتى استشهد ﵁ وأرضاه، ثم تقدم الثاني ثم الثالث ثم الرابع ثم الخامس ثم السادس، ثم تقدم سابعهم عمارة بن يزيد بن السكن ﵁ وأرضاه، وكل هؤلاء السبعة من الأنصار، فقاتل عمارة قتالًا شديدًا حتى أصيب ﵁ وأرضاه، فسقط على الأرض، واقترب من رسول الله ﷺ حتى وضع رأسه على قدم رسول الله ﷺ، واستشهد وخده ملتصق بقدم الحبيب ﷺ.
وتأثر الرسول ﵊ في هذا الموقف، قال: (ما أنصفنا أصحابنا)، تقدم الأنصار الواحد تلو الآخر، ولم يتقدم طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص، فأثار هذا الموقف حمية طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص فقاما يقاتلان قتالًا شديدًا، لكن ماذا يعمل اثنان وسط هذه المجموعة الضخمة من المشركين؟ وتقدم من الكفار عتبة بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص.
تخيل! سعد بن أبي وقاص يدافع عن الرسول ﵊، وأخوه عتبة يقذف بالحجارة وجه رسول الله ﷺ حتى تفجرت الدماء من رأسه ﷺ، وجاء عبد الله بن شهاب الزهري أحد المشركين فشجه شجة منكرة في رأسه ﷺ، ثم جاء إليه رجل اسمه عبد الله بن قمئة وضربه بالسيف ضربة شديدة على كتفه ﷺ، وظل ﷺ يشتكي منها شهرًا كاملًا بعد ذلك، ثم ضرب وجه الرسول ﷺ، فدخلت حلقتان من حلقات المغفر الذي كان فوق رأس الحبيب ﷺ في وجنته، وابن قمئة يقول: (خذها وأنا ابن قمئة، فقال ﷺ: أقمأك الله) أي: أهلكك الله، واستجاب الله دعاء نبيه ﷺ، فبعد غزوة أحد بقليل وقع من فوق جبل في بلده وقتل.
وهكذا تفجرت الدماء من رأسه ومن جسده ﷺ، وهو يمسح الدم من على وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم؟ فأنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨]).
وفي هذا الموقف قام سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه وطلحة بن عبيد الله بعمل لا يستطيع أن يقوم به إلا جيش كامل، فقد كان سعد بن أبي وقاص يرمي بسهامه المشركين، مجموعة ضخمة من المشركين حول المصطفى ﷺ، ومع ذلك يرد سعد بن أبي وقاص بسهامه هذه المجموعة الضخمة، وأعجب الرسول ﷺ بأداء سعد بن أبي وقاص حتى قال له: (ارم سعد فداك أبي وأمي)، وهكذا جمع له ﷺ أبويه يفديه بهما، فكان ذلك فخرًا له ﵁ وأرضاه.
وحارب طلحة بن عبيد الله حربًا ضروسًا في ذلك اليوم، وقاتل من كل مكان حول المصطفى ﷺ، حتى وصلت الجروح التي أصابت جسده

25 / 7