321

Al-sīra al-nabawiyya

السيرة النبوية

أثر إشاعة قتل النبي ﷺ على المسلمين
كان الجميع يقاتل حول المصطفى ﷺ، فجاء مصعب بن عمير ﵁ وهو يحمل راية المهاجرين، وقاتل قتالًا شديدًا حول المصطفى ﷺ فقطعت يمينه، فحمل الراية بشماله فقطعت شماله، فبرك على الراية ﵁ وأرضاه وهو قابض عليها بعضديه، وجاء المشركون من خلفه وقتلوه، فسقط على الأرض وهو يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران:١٤٤].
وكان مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه شديد الشبه برسول الله ﷺ، فظن المشركون أنهم قتلوا المصطفى ﷺ، فقال ابن قمئة وكان هو الذي قتل مصعب بن عمير: قتلت محمدًا، قتلت محمدًا، وانتشر الخبر في أرض المعركة بكاملها، فكان هذا الخبر مأساة على المسلمين.
وهكذا أشيع أن الحبيب ﷺ قد قتل، فالأمر لا يمكن أن يتخيلوه أبدًا، فإنهم لا يستطيعون أن يعيشوا بدون الرسول ﷺ، كيف ينقطع الوحي؟ كيف لا تتم الرسالة؟ كيف؟ كيف؟ ظهرت أسئلة كثيرة في أذهان الناس، وأحبط كثير من المسلمين في أرض القتال.
ووصل الإحباط بالبعض إلى أن جلس على أرض المعركة دون قتال، القتال دائر من حوله وهو لا يرفع سيفه ليدافع حتى عن نفسه، هذا فهم خاطئ، فالقتال ليس من أجل المسلمين وليس من أجل رسول الله ﷺ، إنما القتال في سبيل الله ﷿، والله حي لا يموت، فلماذا القعود والإحباط؟! إن قضية القتال في سبيل الله لا يجب أن تغيب أبدًا عن ذهن المؤمن، بل عليه أن يكون كالصحابي الجليل ثابت بن الدحداح ﵁ وأرضاه من المشاركين في غزوة أحد، لما رأى الناس قعدوا على الأرض ذهب إليهم وقال في إيمان عميق وفهم دقيق: إن كان محمد ﷺ قد قتل فإن الله حي لا يموت، ثم قاتل ﵁ وأرضاه حتى استشهد.
قال ذلك أيضًا أنس بن النضر ﵁ وأرضاه، مر على بعض المسلمين وهم جلوس على أرض القتال، قد فقدوا روح القتال والمقاومة، فقال لهم: ماذا تنتظرون؟ قالوا: قتل رسول الله ﷺ، فقال في منتهى الشجاعة والقوة: قوموا فموتوا على ما مات عليه ﷺ، إن كان محمد قد قتل فإن الله حي لا يموت.
ثم قال وهو ينظر إلى المسلمين الذين أحبطوا وقعدوا على أرض القتال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني: المسلمين-، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني: المشركين-، ثم تقدم ﵁ وأرضاه ليلقى المشركين، فلقيه سعد بن معاذ فقال له سعد: أين يا أبا عمر! رآه يدخل في وسط المشركين، فقال أنس: واهًا لريح الجنة يا سعد! إني أجده دون أحد -أي: أشم رائحة الجنة عند أحد- ثم مضى ﵁ وأرضاه وقاتل المشركين قتالًا شديدًا ضاريًا حتى استشهد ﵁ وأرضاه، وطعن أكثر من ثمانين طعنة في جسمه، ولم يعرفه أحد إلا أخته ببنانه.
واستمرت إشاعة موت الرسول ﵊ في الجيش إلى أن اكتشف كعب بن مالك ﵁ وأرضاه ممن شارك في غزوة أحد أن الرسول ﷺ حي لم يقتل، فنادى في المسلمين: أبشروا أبشروا! رسول الله ﷺ حي، فأشار له ﷺ أن يصمت؛ لئلا يلفت أنظار المشركين، ومع ذلك سمع ثلاثون شخصًا من المسلمين كلمة كعب بن مالك؛ ففاءوا إلى رسول الله ﷺ، وبدءوا يحوطونه، وبدأ الرسول ﵊ يقود هذه المجموعة للانسحاب المنظم في اتجاه الجبل.
وكان الرسول ﵊ ينادي مجموعة أخرى من المسلمين من بعيد (إلي عباد الله! إلي عباد الله!) لكن هناك مجموعة لم تكتف بالإحباط والقعود في أرض القتال، بل فعلت ما هو أشد وأنكى، لقد قررت هذه المجموعة الفرار من أرض القتال، والفرار من الزحف كبيرة من الكبائر، فمنهم من فر وهو يصعد إلى الجبل، ومنهم من فر في طريقه إلى المدينة حتى وصل إلى المدينة المنورة فارًا، والرسول ﷺ يناديهم وهم يسمعون ولا يلبون، وذكر الله ذلك في كتابه: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ [آل عمران:١٥٣] أي: إلى الجبل ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٣] أي: في آخر الجيش ينادي المسلمين، وهم يسمعون هذا النداء ولا يلبون.
ومع هذه الكارثة استطاع الرسول ﵊ أن ينسحب إلى الجبل بالثلاثين الذين معه من المسلمين، وبينما هو يصعد إلى الجبل إذ رآه عدو الله أبي بن خلف أحد كبار المشركين، فجاء يجري من بعيد ويقول: لا نجوت إن نجا لا نجوت إن نجا، وأراد الدخول على الرسول ﵊، فقال القوم للرسول ﵊:

25 / 8