Aṣl al-zarārī sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī - makhṭūṭ
أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
الإناء؛ يعني: صُبه (عليك)؛ أي: على جسدك كله بعد أن تتمضمض وتستنشق؛ لأنَّهما من تمام غسل البدن (وهي قائمة)؛ أي: المرأة المذكورة قائمة تشاهد ذلك، وهذه الجملة اسمية محلها نصب على الحال على الأصل (تنظر إلى ما) أي: الذي (يُفعل)؛ بضمِّ أوله مبني للمجهول؛ أي: يفعلونه (بمائها) من تفريغه لسقي الدواب، ولسقي الجيش، وللوضوء، والغسل، فاستغربته؛ لعدم عهدها به عندهم لكونها من الكفار وقتئذٍ.
فإن قلت: الاستيلاء على الكفار بمجرده يبيح رق نسائهم وصبيانهم، وإذا كان كذلك؛ فقد دخلت هذه المرأة في الرق باستيلائهم عليها، فكيف وقع إطلاقها وتزويدها؟
قلت: إنَّما أطلقت لمصلحة الاستيلاف الذي جر دخول قومها في الإسلام، ويحتمل أنَّها كان لها أمان قبل ذلك، وكانت من قوم لهم عهد.
فإن قلت: كيفَ جَوزوا التَّصرف حِينئذٍ من مالها؟
قلت: بالنظر إلى كفرها أو لضرورة الاحتياج إليه، والضرورات تُبيح المحظورات، أفاده إمام الشَّارحين.
(وايم الله)؛ بوصل الهمزة، قال الجوهري: (وايمُنُ الله: اسم وضع للقسم هكذا بضمِّ الميم والنون، وألفه ألف الوصل عند الوصل عند الأكثر، ولم يجئ في الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها، وهو مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف؛ والتقدير: أيمن الله قسمي، وربما حذفوا منه النون، فقالوا: وايم الله).
وقال أبو عُبيد: (كانوا يحلفون، ويقولون: يمين الله؛ لا أفعل، فجمع اليمين على أيمن، ثُمَّ كثر في كلامهم، فحذفوا النون، فألفه ألف قطع، وهو جمع، وإنَّما طرحت الهمزة في الوصل؛ لكثرة استعمالهم إياه).
قلت: فيها لغات؛ جمع منها النووي في «تهذيبه» سبع عشرة، وبلغ بها غيره عشرين، كذا قرَّره في «عُمدة القاري».
(لقد أُقلع)؛ بضمِّ الهمزة، من الإقلاع: وهو الكفُّ، يقال: أقلع عن الأمر؛ إذا كفَّ عنه (عنها)؛ أي: كف عن المزادة، فلم يأخذوا منها شيئًا؛ لأنَّهم قد اكتفوا لشربهم، ولدوابهم، وللوضوء، وكذا الغسل، وإنَّما أفردها؛ لأنَّهم إذا كفوا عن أحدهما؛ يكون الكف عن الأخرى ضرورةً، فكأنه قال: وايم الله؛ لقد أقلع عنهما جميعًا، والقائل ذلك: هو عمران بن الحصين، (وإنَّه)؛ أي: الشَّأن (ليُخيَل)؛ بضمِّ التحتية الأولى، وفتح الثانية، من التخييل، وهو مرادف للظن الذي هو استواء الطرفين (إلينا) أي: الصَّحابة (أنها) أي: المزادة (أشدُّ) أي: أكثر (مِلْأَة)؛ بكسر الميم وفتحها، وسكون اللام، بعدها همزة مفتوحة، وفي رواية البيهقي: (إملاء)؛ بهمزة أوله (منها) أي: المزادة (حين اُبْتُدئ)؛ بضمِّ الهمزة، وسكون الموحدة، وضم المثناة الفوقية، من الابتداء (فيها)؛ بالسقي والاستقاء؛ والمعنى: أنَّهم يظنون أن ما بقي فيها من الماء أكثر مما كان أولًا، فهذا من دلائل النبوة؛ حيث توضؤوا، وشربوا، وسقوا، واغتسل الجنب مما سقط من العزالي وبقيت المزادتان مملوءتانِ ببركة النَّبيِّ الأعظم ﷺ، وعظيم برهانه، وكانوا أربعين، نص عليهم في رواية مسلم (^١) بن رزين، وأنَّهم ملؤوا كل قربة كانت معهم.
وقال القاضي عياض: وظاهر هذه الرِّواية أنَّ جملة من حضر هذه القصة كانوا أربعين، ولا نعلم مخرجًا لرسول الله ﷺ أنَّه يخرج في هذا العدد، فلعله الرَّكب الَّذي عجلهم بين يديه؛ لطلب الماء، وأَنَّهم وجدوا (^٢) المرأة، وأنَّهم أسقوا للنَّبيِّ الأعظم ﷺ قبلَ النَّاس، وشربوا، ثُمَّ شرب الناس بعدهم، كذا في «عُمدة القاري».
قلتُ: وقد يُقال: إنَّ الجيش حين سار النَّبيُّ الأعظم ﷺ استأذن بالمشي بسرعة (^٣)، والسَّبق إلى المدينة، وبقي مع النَّبيِّ الأعظم ﵇ هذا الركب وهم أربعون، وفيهم علي وعمران؛ فاختارهم ﵇ لطَلَب الماء، فإنَّ الذي طلب الماء لم يكن إلا عليًّا وعِمْران، فلَّما فَرَغوا من السَّقي والاستقاء وساروا؛ ربما وجدوا بقية الجيش في الطريق، ولهذا ملؤوا قربهم جميعًا، وما ذاك إلا لأجل الجيش الذي تقدم، والله أعلم؛ فافهم.
وقال إمام الشَّارحين: (وفيه أنَّ جميع ما أخذوه من الماء مما زاده الله تعالى وأوجده، وأنَّه لم يختلط فيه شيءٌ من ماءِ تلك المرأة في الحقيقة وإنْ كان في الظَّاهر مختلطًا، وهذا أبدع وأغرب في المعجزة، وفيه دلالة: أنَّ عُمر ﵁ أجلدُ المسلمين وأصلبهم في أمر الله ﷿ انتهى.
(فقال النبيُّ) الأعظم ﷺ أي: لأصحابه الذين معه حين رأى المرأة تريد الرُّجوع إلى أهلها: (اجمعوا لها)؛ أي: من الزَّاد مكافأةً لها بما أخذ من مائها وتطييبًا لخاطرها، حيث حُبِسَتْ في ذلك الوقت عن المسير إلى قومها، وحيث طاوعتهما في المجيء إلى النَّبيِّ الأعظم ﷺ من غير مُقاتلة، فإنَّه إذا امتنع صاحب الماء عن دفعه وهو غير محتاج إليه للعطش، وهنالك مضطر إليه للعطش؛ كان له أخذه منه قهرًا، وله أنْ يُقاتله، كما في «السِّراج الوهَّاج»، وينبغي تقييده بما إذا امتنع من دفعه مجانًا أو بالثمن، وللمُضطر ثمنه، وذكروا في باب (الشُّرب): أنَّ له أنْ يُقاتله بالسِّلاح.
قال في «الدرُّ المُختار»: (هذا في غير المحرز بالأواني، أما المحرز؛ فيقاتله بغير السِّلاح إذا كان فيه فضل عن حاجته لملكه له بالإحراز، فصار نظير الطعام) انتهى، ومثله في «المنح» و«التبيين».
وأما في البئر ونحوه؛ الأَولى أنْ يقُاتله بغير سلاح؛ لأنَّه قد ارتكب معصية، فكان كالتعزير، كما في «الكافي»، فإنْ قاتله وكان المقتول ربَّ الماء؛ فدمه هدرٌ لا قِصَاص فيه، ولا دية، ولا كفَّارة، كذا في «السِّراج»، ويبقى (^٤) أن يَضمن المُضطر قيمة الماء، كما في «حواشي الشَّرنبلالي»، وإنْ كان المقتول المضطر؛ فهو مضمون إما بالقصاص إن كان القتل عمدًا؛ كأنْ قتله بمحدد، وإما بالدية إن كان القتل شِبه عمد، أو خطأ، أو جرى مجرى الخطأ، والدية على العاقلة، وعلى القاتل الكفارة، أفاده صاحب «البحر».
قال في «السِّراج»: (وإن كان صاحب الماء محتاجًا إليه للعطش؛ فهو أولى به من غيره، فإن احتاج إليه الأجنبي للوضوء؛ لم يلزمه بذله، ولا يجوز للأجنبي أخذه منه قهرًا) انتهى، وتمامه في شرحنا «منهل الطُّلاب».
(فجمعوا لها من بين) وفي رواية: (ما بين) (عجوة): وهي تمر من أجود التَّمر بالمدينة، وقال ابن التين: (العجوة: نوع من تمر المدينة أكبر من الصيحاني، وتسمَّى اللينة)، كذا في «عمدة القاري»،
(^١) في الأصل: (سلم)، وهو تحريف.
(^٢) في الأصل: (وجودا)، وهو تحريف.
(^٣) في الأصل: (سرعة)، ولعله تحريف.
(^٤) في الأصل: (ويبغى)، وهو تصحيف.
(ودَقيقة وسَويقة)؛ بفتح أولهما، وفي رواية كريمة؛ بضمِّ الدال؛ مصغرًا، وزعم الكرماني: (دقيقه وسويقه) رويا مكبرين ومصغرين، كذا في «عُمدة القاري» (حتى جمعوا لها طعامًا) زاد أحمد في رِوايته: (كثيرًا)، والطَّعام: كل ما يُؤْكل، وربَّما خصَّ الطَّعام بالبرِّ، قاله الجوهري، وفي حديث أبي سَعِيْد: كنَّا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله ﷺ صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير، كذا في «عمدة القاري»، وزعم ابن حجر أنَّ فيه إطلاق لفظ الطَّعام على غير الحِنطة والذُّرة خلافًا لمن أبى ذلك.
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (قلتُ: هذا القول منه يخالف قول أهل اللُّغة جميعًا، والمراد ههنا من الطعام: غير ما ذكر من العجوة، وهو أعم من أن يكون حِنطةً، أو شعيرًا، أو كعكًا، أو نحو ذلك) انتهى.
(فجعلوه)؛ أي: الذي جمعوه من عجوة، ودقيقة، وسويقة، ونحوها، وفي رواية أبي ذرِّ: (فجعلوها)؛ أي: العجوة، والدقيقة، والسويقة
وزعم الكرماني أنَّ الضمير في (جعلوه) يرجع إلى الطعام، وفي (جعلوها) يرجع إلى الأنواع المذكورة.
وردَّه إمام الشَّارحين؛ حيث قال: (قلت: لم يجعلوا الطعام وحده في الثَّوب حتى يرجع الضمير إليه، والصواب من القول: أنَّ الضمير فيه يرجع إلى كلِّ واحد باعتبار المذكور) انتهى.
قلت: وهو وجيه، كما لا يخفى.
(في ثوبٍ)؛ يعني: كان معها ملك لها، (وحمَلوها)؛ بتخفيف الميم؛ أي: المرأة المذكورة (على بعيرها)؛ أي: الذي جاءت عليه، (ووضعوا الثَّوب)؛ أي: الذي جعلوا فيه هذه الأطعمة (بين يديها)؛ أي: قُدامها على البعير، ولم يذكر تحميلهم المزادة، والظاهر: أنَّه مفهوم من قوله: (وحمَّلوها)؛ بتشديد الميم؛ لأنَّه يُحتاج إلى مشقةٍ وتعبٍ حيث يحملون المزادتين أولًا، ويشدونهما (^١) على البعير، ويحملونها (^٢) بعده عليه، فاقتُصر عليه؛ لأنَّ الحاجة إلى المزادتين أبلغ؛ لأنَّ الماء حياة الأبدان والطعام غذاؤها، فالأول أبلغ؛ فافهم.
(قال لها)؛ أي: النَّبي الأعظم ﷺ، وفي رواية الأصيلي: (قالوا لها)؛ أي: الصَّحابة الذين معه بأمره ﷺ: (تَعْلَمِين)؛ بفتح المثناة الفوقية، وسكون العين المهملة، وتخفيف اللام، مفرد مؤنث من باب (علم يعلم)، وزعم ابن حجر أنه بفتح التاء، والعين، وتشديد اللام؛ أي: اعلمي.
وردَّه إمام الشَّارحين حيث قال: قلت: لا حاجة إلى هذا التَّعسف، وإنَّما هو مفرد مخاطب مؤنث من باب (علم يعلم) انتهى.
(ما رَزِئْنا)؛ بفتح الراء، وكسر الزاي، بعدها همزة ساكنة؛ أي: ما نقصنا، وزعم الكرماني أنَّه بفتح الزاي، قال إمام الشَّارحين: (الكسر هو الأشهر، يقال: ما رزأته وما رزئته -بالكسر- ماله؛ أي: نقصته، وارتزأ الشيء: انتقص) انتهى، (من مائك شيئًا)؛ أي: فجميع ما أخذنا من الماء مما زاده الله تعالى، وأوجده، ويؤيده قوله: (ولكنَّ الله هو الذي أسقانا)؛ بالهمزة أوله، وفي رواية ابن عساكر: (سقانا)؛ بإسقاطها، (فأتت أهلها)؛ يعني: قومها، وفيه حذفٌ؛ تقديره: فلما قالوا لها ذلك، وسمعته؛ ذهبت من منزل النَّبيِّ الأعظم ﷺ فسارت في الطَّريق وحدها إلى أن وصلت إلى قومها، (وقد احتبست عنهم) مدة يَسيرة زائدة عن عادتها؛ لأنَّها جاءتهم في اليوم الثاني لخروجها من عندهم يدلُّ عليه قولها فيما سبق: (عهدي بالماء أمس)؛ فتأمل.
(فقالوا) وفي رواية: (قالوا)؛ يعني: أهلها، والمراد: قومها؛ لأنَّه أعم، وقوله: (لها) ثابتٌ في رواية الأصيلي، ساقط في غيرها (ما حَبَسكِ) يعني: أي شيء حبسك (يا فلانة؟) كناية عن اسم مؤنث مبهم، (قالت: العجبُ!): مرفوع بفعل مقدر؛ تقديره: حبسني العجب، وهو الأمر الذي يُتَعَجَّب منه لغرابته، وكذلك العجيب، والعُجائب؛ بالضم والتخفيف، والعُجَّائب بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة، ولا يجمع عجب ولا عجيب، ويقال: جمع عجيب: عجائب؛ مثل: تبيع وتبائع، و(أعاجيب) جمع: (أعجوبة)؛ كـ (الأحاديث) جمع: (أحدوثة)، وعجبت من كذا، وتعجبت منه، واستعجبت كلها بمعنًى، وأعجبني هذا الشيء لحُسنه، وعجبت غيري تعجييًا، والعُجْب؛ بضمِّ العين المهملة، وسكون الجيم: اسم من أُعجب فلان بنفسه؛ فهو مُعجبٌ برأيه وبنفسه، كذا في «عُمدة القَاري»، (لقيني) أي: في الطَّريق بعد ما ملأت المزادتين (رجلان) وكأنها لم تعلم باسمهما، (فذهبا بي إلى هذا) وقوله: (الرَّجل) ثابت في رواية أبي ذرٍّ، ساقطٌ في غيرها (الذي يُقال) بضمِّ المثناة التحتية أوَّله (له) عند المشركين، وأهل الكتاب: (الصَّابئ)؛ بالهمزة، وبغيرها روايتان، فالأول: من صبأ؛ إذا خرج من دين إلى دين، والثاني: من صبا يصبو؛ إذا مال، وسيأتي، (ففعل كذا وكذا)؛ يعني: بالمزادتين حيث أفرغ منهما في إناء، فمضمض، ثم ألقى فيهما وربط الوكاء، وأطلق العزالي، ونادى منادٍ في الجيش: اسقوا واستقوا؛ فسقى من شاء، واستقى من شاء، وأعطى رجلًا إناء، فأمره أن يغتسل به وإنَّ الماء قد زاد، ووجد أكثر مما كان أولًا، وقال لي: «ما رزِئنا من مائك شيئًا»، وجمعوا لي هذا الطعام الذي في هذا الثَّوب، فأفرغته بين أيديهم، ثُمَّ قالت: (فوالله إنه لأسخى النَّاس) من السَّخاء؛ يعني: كثيره، وفي رواية: (لأسحر) من السحر؛ لأنَّها رأت شيئًا عجيبًا في زعمها؛ حيث شاهدت من دلائل نُبوته، وباهر مُعجزاته أنَّهم توضؤوا وشربوا، وسقوا دوابهم، واغتسل الجُنب مما سقط من العزالي، وبقيت المزادتان مملوءتان ببركته، وعظيم بُرهانه، فزعمتْ أنَّه سِحْر؛ لأنَّه خارقٌ للعادة، وما هو بسحر، إنْ هو إلا مُعجزة نبيٍّ مرسل صلى الله تعالى عليه وسلم (من بين هذه وهذه)؛ يعني: السماء والأرض، وكان المُناسب أن تقول: (في بين) بلفظة (في)، وأجيب: بأن (مِن) بيانية مع جواز استعمال حروف الجر بعضها مكان بعض، كذا في «عُمدة القَاري»، (وقالتْ)؛ أي: أشارت (بإصبعها) فهو من إطلاق القول على الفعل، وقد مرَّ نظيره (الوسطى والسَّبابة)؛ بالسِّين المهملة فيهما، وإنما سميت وسطى؛ لتوسطها بين الأصابع الخمسة، وسميت سبَّابة؛ لأنَّه يشار بها عند السَّبِّ والمخاصمة، وهي المُسبِّحة، وسمِّيت بذلك؛ لأنَّه يشار بها إلى التَّوحيد
(^١) في الأصل: (ويشدوهما)، ولعل المثبت هو الصواب.
(^٢) في الأصل: (ويحملوها)، ولعل المثبت هو الصواب.
1 / 208