209

Aṣl al-zarārī sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī - makhṭūṭ

أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

والتنزيه (فرفعتهما)؛ أي: الوسطى والسبابة (إلى السماء؛ تعني)؛ أي: تقصد وتريد المرأة بذلك: (السماء والأرض)؛ لأنَّه نبي مرسل إلى كافَّة النَّاس بشيرًا ونذيرًا؛ وقوله: (أو إنه) عطف على قولها: (فوالله؛ إنه) (لرسول الله ﷺ حقًّا) مصدر حق؛ يعني: أحقه رسول الله حقًّا يقينًا، وظاهر قولها هذا وإن كان فيه الشَّك: أنَّها آمنت به ﵇ قبل وصولها إلى قومها، وقولها: (إنَّه لأسحر النَّاس) إنَّما قالته خوفًا من أهلها وقومها أنْ يقتلوها، ففاجئتهم أولًا بذلك، ثم قالت لهم ما هو الحق؛ لأجل أن يرغبوا في الإسلام، يدلُّ عليه: أنَّها هي التي كانت سببًا في إسلام قومها، كما يأتي قريبًا، وزعم القسطلاني أنَّ هذا منها ليس بإيمان؛ للشكِّ، لكنها أخذت في النظر؛ فأعقبها الحق، فآمنت بعد ذلك.
قلتُ: بل هذا منها إيمان به ﵇، والشكُّ لا ينافي ذلك؛ لأنَّها ذكرت ذلك لقومها، فلو قالتْ لهم ابتداءً: إنَّه لرسول الله؛ لربما وقع في نفوسهم شيءٌ فقتلوها، وهي تعلم ذلك منهم؛ فعبَّرت لهم كلامًا يوافق نفوسهم حيث ابتدأت بما يرضون به، ثُمَّ ثنَّت بما يرضيها، فهذا الشَّك طارئٌ عليهم بمعنى التَّشكيك، فإنَّها تعلم أنَّه رسول الله، لكنها شكَّكت الأمر عليهم أولًا، ثم حققته لهم.
وقوله: (لكنَّها أخذت...) إلى آخره؛ هذا تناقض، فإنَّها حققت النَّظر حين كانت في منزل النَّبيِّ الأعظم ﷺ، وآمنت وكتمت إيمانها خوفًا من أهلها وقومها، ويحتمل أنَّ قولها: (أوَ إنَّه لرسول الله) ناسخٌ لقولها: (إنَّه لأسحر الناس)؛ لتقدمه، وإثباتُ قولها: (إنَّه لرسول الله) بقولها: (حقًّا)؛ يعني: صِدقًا صادقًا، فلو كانت شاكَّةً؛ لم تأت بقولها: (حقًّا)؛ فليتأمل.
(فكان المسلمون بعد) وقوله: (ذلك) ساقط في رواية الأصيلي، ثابتٌ في غيرها، والإشارة إلى القصة، ووصول المرأة إلى أهلها، وقولها لقومها: (يُغيرون)؛ بضمِّ المثناة التحتية أوله، من الإغارة بالخيل في الحرب، قيل: ويجوز فتح الياء؛ من غار.
قلتُ: لكنه قليل، وكونه من أغار هو الكثير المشهور؛ فافهم.
(على من حولها من المشركين)؛ يعني: يغزونهم (^١)، ويقاتلونهم، ويغنمون (^٢) منهم الغنائم، (ولا يصيبون) أي: ولا يغيرون (الصِرْم)؛ بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء: وهو أبيات من النَّاس مجتمعة، والجمع: أصرام وأصاريم وصرمال، والأخيرة عن سيبويه، كذا في «عُمدة القَاري»، وزعم القسطلاني أن الصِرْم: نفر ينزلون بأهليهم على الماء.
قلتُ: وهو غير ظاهر؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لما أرسلوا المرأة المذكورة إلى الماء؛ لأجل أنْ تأتيهم به، وقد حَملتْ على بعيرها مزادتين، كما سبق في أوَّل القصة، فهذا يدلُّ على أنَّه أبيات من النَّاس مجتمعة، كما فسَّره إمام الشَّارحين؛ لأنَّهم لو كانوا نازلين على الماء؛ لم يحتاجوا إلى استجلابه؛ فليحفظ.
(الذي هي منه)؛ أي: المرأة المذكورة، وإنما لم يغيروا عليهم وهم كفرة؛ يُحتمل أنَّه للطمع في إسلامهم بسبب وجودها عندهم، ويُحتمل أنه لرِعاية زمامها.
قلتُ: والظاهر الأول، ويدلُّ عليه قوله: (فقالت) أي: المرأة المذكورة (يومًا لقومها) والمراد بهم: أهلها وغيرهم؛ فهو أعم، وذلك بعد أن رأى قومها إغارة المسلمين على المشركين حولهم، ولم يصيبوهم (^٣) بسوءٍ أصلًا؛ فافهم.
(ما أُرى)؛ بضمِّ الهمزة بمعنى: أظن، وبفتحها بمعنى: أعلم، و(ما) موصولة، كذا في «عُمدة القَاري» (أَنَّ) بفتح الهمزة، وتشديد النون (هؤلاء القوم) أي: المسلمين (يدَعونَكم)؛ بفتح الدال المهملة؛ أي: يتركونَكم من الإغارة عليكم (عمدًا)؛ أي: لا غفلة عنكم، ولا سهوًا منهم، ولا خوفًا منكم، بل لاستيلافكم ومراعاة لما سبق بيني وبينهم، وهذه رواية أبي ذرٍّ، وهي الأولى، وفي رواية الأكثرين: (ما أَرى هؤلاء)؛ بفتح الهمزة في (أرى)، وإسقاط كلمة (أن)، وفي رواية ابن عساكر: (ما أُرى)؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: أظن (إنَّ هؤلاء)؛ بكسر الهمزة، وفي رواية الأصيلي: (ما أدري أَنَّ)؛ بالدال المهملة بعد الألف، وفتح همزة (أَنَّ)، وتشديد نونها، وهي في موضع نصبٍ على المفعولية؛ والمعنى: ما أدري ترك هؤلاء إيَّاكم عمدًا لماذا هو؟
وقال المحقق أبو البقاء: الجيِّد أن يكون (أن هؤلاء)؛ بالكسر على الإهمال والاستئناف، ولا يفتح على إعمال (أدري) فيه؛ لأنَّها قد عملت بطريق الظاهر، ويكون مفعول (أدري) محذوفًا؛ والمعنى: ما أدري لماذا تمتنعون من الدُّخول في الإسلام إنَّ المسلمين تركوا الإغارة عليكم عمدًا مع القُدرة منهم عليكم؟ وقيل: إنَّ (ما) نافية، و(إنَّ) بالكسر؛ ومعناه: لا أعلم حالكم في تخلفكم عن الإسلام مع أنَّهم يدعونكم عمدًا، (فهل لكم) أي: رغبة بالدُّخول (في الإسلام؟) فقال: بلى، (فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام)؛ فحصل لها بذلك زيادة الثَّواب، والترقي في الدَّرجات في الجنان، وهذا يدلُّ على أنَّها آمنت قبلهم كما ذكرنا؛ لأنَّه لو كان غير ذلك؛ لما قالت لهم ذلك، ولما أمرتهم بالدخول في الإسلام، بل كانت مثلهم، فقولها: (ما أرى...) إلى آخره؛ دليل على إيمانها من قبل، وأنَّها تريد دخولهم في الإسلام، فلمَّا رأت إغارة المسلمين على المشركين دونهم؛ صار لها دخل وسبب في دخولهم، فحقق الله مقصدها، وفي الحديث الصَّحيح: أنَّه ﵇ قال لعلي: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمرِ النِّعم»، وفي الحديث أحكام؛
أحدها: فيه استحباب سلوك الأدب مع الأكابر، كما فعل عُمَر ﵁ في إيقاظ النَّبيِّ الأعظم ﷺ.
الثاني: فيه إظهار التأسُّف لفوات أمر من أمور الدين.
الثالث: فيه لا حرج على من تفوته صلاة، لكن لا بتقصير منه؛ لقوله ﵇: «لا ضَير».
الرابع: فيه أَنَّ من أجنب ولم يجد ماءً؛ فإنَّه يتيمم؛ لقوله ﵇: «عليك بالصَّعيد».
الخامس: فيه أنَّ العالم إذا رأى أمرًا مجملًا يسأل فاعله عنه ليوضحه؛ فيوضح له وجه الصَّواب.
السادس: فيه استحباب الرِّفق والملاطفة في الإنكار على أحد؛ كترك الشَّخص الصَّلاة بالجماعة.
السابع: فيه الإنكار على ترك الشَّخص الصَّلاة بحضرة المصلين بغير عذر.
الثامن: فيه أن قضاء الفوائت واجبٌ، ولا يسقط بالتأخير ويأثم بتأخيره بغير عذر.
التاسع: فيه أنَّ من حلت به فتنة في بلدٍ؛ فليخرج منه وليهرب

(^١) في الأصل: (يغزوهم)، ولعل المثبت هو الصواب.
(^٢) في الأصل: (ويغنموا)، ولعل المثبت هو الصواب.
(^٣) في الأصل: (يصيبونهم)، والمثبت هو الصواب.
من الفتنة بدينه، كما فعل الشارع بارتحاله عن بطن الوادي الذي تشاءم به لأجل الشؤم.
العاشر: فيه أنَّ من ذكر صلاة فائتة له أن يأخذ ما يصلحه من وضوء، وطهارة، وابتغاء بقعة تطمئن نفسه للصَّلاة عليها، كما فعل الشَّارع بعد أَنْ ذكر الفائتة، فارتحل بعد الذِّكر ثُمَّ توضأ وتوضأ الناس.
الحادي عشر: فيه استحباب الأذان والإقامة للفائتة؛ لما في «المستدرك» من حديث الحسن (^١) عن عِمران: (نمنا عن صلاة الفجر حتى طلعت الشَّمس، فأمر المُؤذن فأَذن، ثُمَّ صلى الرَّكعتين قبل الفجر، ثُمَّ أقام المؤذن فصلى الفجر)، وقال: (صحيحٌ على ما قدمنا)، وعند أحمد: (ثُمَّ أمر بلالًا فأذن، ثُمَّ صلى الرَّكعتين قبل الفجر، ثُمَّ أقام فصلينا).
الثاني عشر: فيه جواز أداء الصَّلاة الفائتة بالجماعة إنْ كان الفرض واحدًا، كما فعل الشَّارع.
الثالث عشر: فيه وجوب طلب الماء للشرب، والوضوء، والغسل.
الرابع عشر: فيه أَنَّ أخذ الماء المملوك لغيره لضرورة العطش بعوض إن كان يعطيه، وإلا؛ فيأخذه قهرًا، كما قدمنا.
الخامس عشر: أَنَّ العطشان يقدم على الجنب عند صرف الماء إلى النَّاس؛ لأنَّه لا خُلف للنفوس إذا زهقت من العطش بخلاف الجُنب؛ لأنَّ الطهارة لها خُلف وهو التَّيمم.
السادس عشر: فيه جواز المعاطاة في الهبات والإباحات من غير لفظ من الجانبين.
السابع عشر: فيه تقديم مصلحة شرب الآدمي والحيوان على غيره كمصلحة الطَّهارة بالماء، ووقع في رواية سلم بن رزين: (غير إنا لم نسق بعيرًا).
وأجيب: بأنَّ هذا مبني على أَنَّ الإبل لم تَكُنْ إذ ذاك مُحتاجة إلى السَّقي.
الثامن عشر: فيه جواز الخلوة بالمرأة الأجنبية والكلام معها عند أمنِ الفتنة في حالة الضَّرورة الشَّرعية.
التاسع عشر: فيه جواز استعمال أواني المشركين، وكذا ثيابهم ما لم يتيقن فيها النجاسة، وقال أئمتنا الأعلام: إذا اشترى ثوبًا من يهودي أو نصراني؛ جاز له أَنْ يصلي به، ولو لم يغسله؛ لأنَّ الأصل في الأشياء الطَّهارة.
العشرون: فيه جواز اجتهاد الصحابة بحضرة النَّبيِّ الأعظم ﷺ وهو المُختار، وعليه الجُمهور، وقيل: لا يجوز، وقد تقدم، وزعم ابن حجر أَنَّ في الحديث جواز أخذ مال النَّاس عِند الضَّرورة بثمنٍ إنْ كان له ثمن.
قال إمام الشَّارحين: (وفيه نظر)، ولم يذكر وجهه.
قلت: وجهه أَنَّ أخذ مال النَّاس ولو بثمنٍ عند الضرورة لا يجوز؛ لأنَّه تصرف بغير إذن من مالكه، وهو غير جائز إلا الماء للشرب؛ لأجل العطش، والطعام؛ للأكل في المجاعة، فإنَّه في هذين الموضعين يجوز أخذ الماء والطعام قهرًا، وما عداهما فإنَّه لا يجوز، يدلُّ عليه قوله ﵇: «فإنَّ أموالكم عليكم حرام...»؛ الحديث فكيف قال هذا القائل ما قال؛ فافهم.
الحادي والعشرون: فيه جواز تأخير الفائتة عن وقت ذكرها إذا لم يكن عن تغافلٍ أو سهو (^٢)، وذلك من قوله: (ارتحلوا)؛ بصِيغة الأمر.
الثاني والعشرون: فيه مُراعاة ذِمام الكافر، والمحافظة به كما حفظ (^٣) النَّبيُّ الأعظم ﷺ هذه المرأة في قومها وبلادها، فراعى [في] قومها ذِمامها وإن كانت من ضميمهم.
الثالث والعشرون: فيه جواز الحلف من غير استحلاف.
الرابع والعشرون: فيه جواز الشَّكوى من الرعيَّة إلى الإمام عند حُلول أمرٍ شديدٍ.
الخامس والعشرون: فيه جواز التعريس للمسافر إذا غلب عليه النوم.
السادس والعشرون: فيه مشروعية قضاء الفوائت، وأنَّه لا يسقط بالتأخير.
السابع والعشرون: فيه جواز الأخذ للمُحتاج برضى المطلوب منه، وبغير رضاه إنْ تعين.
الثامنُ والعشرون: فيه جواز النَّوم على النَّبيِّ الأعظم ﷺ كنوم أحد منا في بعض الأوقات.
التاسع والعشرون: فيه جواز السَّفر من غير أن يعين يومًا أو شهرًا، قاله في «عُمدة القاري».
زاد المستملي في روايته قوله: (قال أبو عبد الله): هو المؤلف نفسه (صبأ: خرج من دين إلى غيره) وأراد المؤلف بهذا: الإشارة إلى الفرق بين الصابئ المراد في هذا الحديث، والصابئ: المنسوب إلى طائفة من أهل الكتاب، أمَّا الصابئ الذي هو المراد في هذا الحديث في قول المرأة المذكورة: (الذي يقال له: الصَّابئ)؛ فهو من صبا إلى الشيء يصبو؛ إذا مال، وهو غير مهموز، وكانت العرب تسمي النبيَّ الأعظم ﷺ: الصَّابئ؛ لأنَّه خرج من دين قريش إلى الإسلام، ويسمون من دخل في الإسلام مصبوًا؛ لأنَّهم لا يهمزون، ويسمون: الصُّباة؛ بغير همز جمع: (صابي) غير مهموز؛ كقاض وقُضاة، وغاز وغُزاة، وقد يقال: صبأ الرجل إذا عشق، وقد يقال: صابئ؛ بالهمز من صبا يصبو؛ بغير همز صبا وصبو؛ إذا خرج من دين إلى آخر.
وأما الصَّابئ المنسوب إلى طائفةٍ من أهل الكتاب؛ فأشار إليه بقوله: (وقال أبو العالية): هو رُفيع؛ بضمِّ الراء، ابن مهران الرياحي، مما وصله ابن أبي حاتم من طريق الربيع بن أنس عنه قال: (الصابئين) جمع صابئ، وأصله من صبأ يصبأ صبأ.
والصَّابئ نسبة إلى صابي ابن أبي متوشلخ بن أخنون بن برد بن مهليل بن فتين بن بايش بن شيث بن آدم ﵇، وقيل: نِسبة إلى صابي بن ماري، وكان في عصر إبراهيم الخليل ﵇، كذا قاله الرشاطي.
وأراد أبو العالية تفسير (الصَّابئين) المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذينَ آمَنُوا وَالذينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وهو إن كان عربيًّا؛ فمن صبأ؛ إذا خرج، يقال: صبأ ناب البعير يصبأ صبًا وصبوًا؛ أي: طلع حده، وصبا الرجل صبوًا؛ أي: خرج من دين إلى آخر، ويقال: صبا يصبو صبوةً وصبوًا؛ أي: مال، كذا في «الصحاح».
وقرأ الجمهور: (والصابئين)؛ بالهمزة بعد الباء؛ كالخاطئين، وقرأ نافع: بياء تحتية ساكنة بعد الموحدة بغير همزة بينهما،

(^١) في الأصل: (الحسين)، وهو تحريف.
(^٢) في الأصل: (سهوى)، ولعله تحريف.
(^٣) في الأصل: (حفظه)، والمثبت هو الصواب.

1 / 209