217

Aṣl al-zarārī sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī - makhṭūṭ

أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

زيد الكاتب الفلاني، ولا يقتصر على زيد مثلًا؛ لأنَّ المسمى بزيد كثير، فيشتبه عليه، بل يذكر الشيء الذي هو مشهور به بين الناس، أفاده إمام الشَّارحين.
(قال) أي: الخازن: (هل معك أحد)؛ أي: من الأنبياء ﵈، وهذا يدل على أنَّ الخازن عنده علم وعادة في مجيء نبي من الأنبياء ﵈ مع جبريل، وأن عادة جبريل هذه، وهذا يدل على أن عروجه ﵇ كان بروحه؛ إذ لو لم يكن بروحه؛ لما قال: هل معك أحد؟ فإنَّ هذا يدل على أن عادة جبريل المجيء للخازن ومعه أحد من الأنبياء ﵈، لكن قد يقال: إن مجيئهم ليس لأجل المعراج، بل تأتي روحهم لأجل دخول الجنة، فالمعراج خاص بنبينا ﵇؛ فتأمل.
(قال) جبريل للخازن: (نعم) معي (محمد)؛ أي: النبي الأعظم سيد الأنبياء ورئيسهم صلى الله تعالى عليه وسلم، (قال) أي: الخازن: (أأرسل إليه؟)؛ بهمزتين؛ أولاهما: للاستفهام، وهي مفتوحة، والثانية: همزة التعدية، وهي مضمومة، وفي رواية الكشميهني: (أوَأرسل؟)؛ بواو مفتوحة بين الهمزتين، وهذا السؤال من الملك الذي هو خازن السماء، يحتمل وجهين؛ أحدهما: الاستعجاب بما أنعم الله تعالى عليه من هذا التعظيم والإجلال حتى أصعده إلى السماوات، والثاني: الاستبشار بعروجه؛ إذ كان من اليقين (^١) عندهم أن أحدًا من البشر لا يرتقي إلى أسباب السماء من غير أن يأذن الله له ويأمر ملائكته بإصعاده، أفاده في «عمدة القاري»، وزعم ابن حجر: أنه يحتمل أن يكون قد خفي عليه أصل إرساله؛ لاشتغاله بعبادته، ورده إمام الشَّارحين فقال: كيف يخفى عليه ذلك؛ لاشتغاله بعبادته، وقد قال أولًا: من هذا؟ حين قال جبريل: افتح، وقال أيضًا: هل معك أحد؟ قال جبريل: نعم؛ معي محمد، وأين الخفاء بعد ذلك، وأين الاشتغال بالعبادة في هذا الوقت وهو وقت المحاورة والسؤال، وأمر نبوته كان مشهورًا في الملكوت؛ لأنَّها لا تخفى على خزان السماوات وحراسها؟! فحينئذٍ لا يكون السؤال عن أصل الرسالة، وإنما كان سؤالًا عن أنه أرسل إليه للعروج والإسراء، فحينئذٍ احتمل سؤالهم الوجهين المذكورين.
فإن قلت: جاء في رواية شريك: (أو قد بعث إليه؟)، وهذا يؤيد ما قاله هذا القائل.
قلت: معنى (أرسل) و(بعث) سواء على أنَّ المعنى هنا أيضًا: أو قد بعث إلى هذا المكان؟! وذلك استعجاب منه واستعظام لأمره) انتهى كلامه.
قلت: وقوله: (لاشتغاله بعبادته): لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم أن عبادته حراسته لباب السماء، وقعوده عند بابها، وذلك بأمر من الله ﷿، فأمره ﷾ لا ريب أنه عبادة، وهذه العبادة عظيمة، ويفهم من قول الخازن: أأرسل إليه؟ أنه إذا لم يكن قد أرسل إليه لا يفتح الباب له، وهو كذلك؛ لأنَّ الأنبياء معصومون من المعاصي، والسماء لم يعص فيها أحد قط، فإذا كان نبيًّا؛ فتح له، وإلا؛ فلا، وهذا يدل على بطلان قول من يقول: إن غير الأنبياء ﵈ يفتح لهم كالمتصوفة، والمتزندقة، وزعموا العصمة لهم، فهذا الحديث يدل صريحًا على أن غير المرسلين ﵈ لا يفتح له الخازن الباب، وأنَّهم غير معصومين، والأنبياء ﵈ معصومون، ولا تجوز العصمة إلا لهم ﵈، وهذا قول أهل التحقيق من أهل السنة والجماعة؛ فليحفظ.
(قال) أي: جبريل: (نعم) أرسل إليه، ففتح لهما، (فلما فتح) أي: الخازن الباب؛ (علونا السماء الدنيا): ضمير الجمع فيه يدل على أنه كان معهما ملائكة آخرون، فكأنَّهما كلما عديا سماء؛ تشيعها الملائكة إلى أن يصلا إلى سماء أخرى، و(الدنيا) صفة (السماء) في محل النصب بمعنى: أنه لا يظهر النصب، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري»، وتبعه الشراح منهم القسطلاني.
قلت: والمراد بضمير الجمع هو (نا) في (علونا)، فإنها للمتكلم، ومعه غيره، كما هو معلوم، فالنبي الأعظم، والثاني: جبريل، والثالث: الخازن، وغيره، ولا ريب أن ذلك جمع، فصدق عليه أنه ضمير جمع، وإنما لم يظهر النصب في (الدنيا)؛ لوجود الألف التي هي أخت الفتحة، فاشتركا في مخرج واحد، فلم يظهر النصب؛ فليحفظ.
وفي «عمدة القاري»: (وفي الحديث: أن رسول الرجل يقوم مقام إذنه؛ لأنَّ الخازن لم يتوقف عن الفتح له على الوحي إليه بذلك، بل عمل بلازم الإرسال إليه) انتهى.
قلت: فإن كان قد أرسل إليه؛ يفتح له، وإلا؛ فلا؛ فليحفظ.
(فإذا رجل قاعد) وفي رواية: (إذا)؛ بدون الفاء، وكلمة (إذا) للمفاجأة، وتختص بالجملة الاسمية؛ للمفاجأة، ولا تحتاج إلى جواب، وهي حرف عند الأخفش، وظرف مكان عند المبرد، وظرف زمان عند الزجاج، (على يمينه أَسودة)؛ بفتح الهمزة، جمع سواد؛ كالأزمنة جمع زمان، والسواد: الشخص، وقيل: الجماعات، وسواد الناس: عوامهم، وكل عدد كثير، ويقال: هي الأشخاص من كل شيء، وقال أبو عبيد: هو شخص كل شيء من متاع أو غيره، والجمع أسودة، وأساود جمع الجمع، كذا في «عمدة القاري».
(وعلى يساره أسودة) كذلك، (إذا نظر قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: جهة (يمينه) كلام إضافي، منصوب بقوله: (نظر) (ضحك) جواب (إذا) فرحًا مسرورًا، (وإذا) للمفاجأة أيضًا كما سبق (نظر قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: جهة (شماله) وللأربعة: (يساره) كلام إضافي، منصوب بقوله: (نظر) (بكى) حزنًا وتأسفًا، (قال)؛ أي: هذا الرجل (مَرحبًا)؛ بفتح الميم، منصوب بأنه مفعول مطلق؛ أي: أصبت سعة لا ضيقًا، والنصب فيه كما في قولهم: أهلًا وسهلًا؛ ومعناه: أصبت رحبًا وسهلًا، فاستأنس ولا تتوحش، وهي وأمثالها كلمة تقال عند تأنيس القادم (بالنبي الصالح، والابن الصالح) ومعنى (الصالح): هو القائم بحقوق الله تعالى، وحقوق العباد، وكلهم قالوا له: (بالنبي الصالح)؛ لشموله على سائر الخلال المحمودة الممدوحة من الصدق، والأمانة،

(^١) في الأصل: (التين)، وهو تحريف.
والعفاف، والفضل، ولم يقل له أحد: مرحبًا بالنبي الصادق، ولا: بالنبي الأمين؛ لما ذكرنا أنَّ الصلاح شامل لسائر أنواع الخير، كذا قاله إمام الشَّارحين.
(قلت) أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ قلت (لجبريل: مَن) بفتح الميم (هذا)؛ أي: الرجل القاعد على يمينه أسودة وعلى يساره كذلك؟ (قال) أي: جبريل: (هذا آدم)؛ أي: أبو البشر، قيل: إن اسم آدم سرياني، وقيل: مشتق، فقيل: أفعل من الأدمة، وقيل: من لفظ الأديم؛ لأنَّه خلق من أديم الأرض، قال النضر بن شميل: (سمي آدم؛ لبياضه)، وذكر محمد بن علي: (إن الآدم من الظباء الطويل القوائم)، وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إن الله خلق آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا، فكل من يدخل الجنة على صورته وطوله، وولد له أربعون ولدًا في عشرين بطنًا، في كل بطن ذكر وأنثى، إلا شيثًا، فإنه ولد وحده»، وعاش ﵇ ألف سنة، وكنيته: أبو البشر، كما ذكرنا، وأبو الأنبياء المرسلين، وقيل: أبو محمد، وروى ابن عساكر من حديث علي ﵁ مرفوعًا: «أهل الجنة ليس لهم كنى إلا آدم، فإنه يكنى أبا محمد»، وفي حديث كعب الأحبار: (ليس لأحد من أهل الجنة لحية إلا آدم، فإن له لحية سوداء إلى سرته)، وذلك؛ لأنَّه لم يكن له لحية في الدنيا، وإنما كانت اللحى بعد آدم، ولما أهبط من الجنة؛ هبط بسرنديب من الهند على جبل يقال له: نَوَد، ولما حضرته الوفاة؛ اشتهى قطف عنب، فانطلق بنوه ليطلبوه، فلقيتهم الملائكة، فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: إن أبانا اشتهى قطفًا، فقالوا: ارجعوا قد كفيتموه فرجعوا؛ فوجدوه قد قبض، فغسلوه، وحنطوه، وكفنوه، وصلى عليه جبريل ﵇، والملائكة خلفه، وبنوه خلفهم، ودفنوه، وقالوا: هذه سنتكم في موتاكم، ودفن في غار يقال له الكنز في أبي قبيس، فاستخرجه نوح ﵇ في الطوفان وأخذه، وجعله في تابوت معه في السفينة، فلما نضب الماء؛ رده نوح ﵇ إلى مكانه، كذا في «عمدة القاري».
(وهذه الأسودة)؛ أي: التي (عن يمينه وشماله نَسَم)؛ بفتح النون والسين المهملة، والنسمة: نفس الروح، وما بها نسمة؛ أي: نفس، والجمع نسم، قاله ابن سيده، وزعم الخطابي هي النفس (بنيه) والمراد: أرواح بني آدم، وزعم ابن التين ورويناه: (شيم) بني آدم، والأولى أشبه، قاله إمام الشَّارحين.
(فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار) فإن الجنة فوق السماء السابعة في جهة يمين آدم، والنار في الأرض السابعة في جهة يساره، فيكشف الله له عنهما، كما سيأتي، (فإذا نظر عن يمينه؛ ضحك، وإذا نظر قبل شماله؛ بكى) ففيه دلالة على أن نسم أهل النار في السماء، وقد جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، فكيف تكون مجتمعة في السماء؟!
وأجيب: بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا، فصادف وقت عروضها مرور النبيِّ الأعظم ﷺ.
فإن قلت: لا تفتح أبواب السماء لأرواح الكفار كما هو نص القرآن.
قلت: يحتمل أنَّ الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار في جهة شماله، وكانت يكشف له عنهما، ويحتمل أن يقال: إنَّ النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد، وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومستقرها عن يمين آدم وشماله، وقد أعلمه الله تعالى بما سيصيرون إليه، فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى من على يمينه، ويحزن إذا نظر إلى من على يساره، قاله إمام الشَّارحين.
(حتى عَرَجَ)؛ بفتحات؛ أي: صعد (بي)؛ أي: جبريل، ولابن عساكر: (به)، وهو من باب التجريد، كما سبق (إلى السماء الثانية، فقال) أي: جبريل (لخازنها)؛ أي: الملك الموكل بحفظها: (مثل ما قال الأول)؛ يعني: قال لخازنها: افتح الباب، قال الخازن: من هذا الذي يقرع الباب؟ قال: جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم؛ معي محمد ﷺ، فقال: أأرسل إليه؟ قال جبريل: نعم؛ أرسل إليه، (ففتح)؛ أي: الخازن لهما باب السماء الثانية، (قال) وفي رواية: (فقال) (أنس): هو ابن مالك ﵁، (فذكر)؛ أي: أبو ذر جندب ابن جنادة الغفاري (أنه)؛ أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (وجد في السماوات)؛ أي: السبع (آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم صلوات الله عليهم).
فإن قلت: كيف رأى النبيُّ الأعظم ﷺ الأنبياء في السماوات، ومقرهم في الأرض؟
أجيب: بأن الله تعالى شكل أرواحهم على هيئة صور أجسادهم، ذكره ابن عقيل، وكذا ذكره ابن التين، وقال: (وإنما تعود أرواحهم إلى الأجساد يوم البعث إلا عيسى بن مريم ﵇، فإنه لم يمت وهو ينزل إلى الأرض) انتهى.
واعترضهما إمام الشَّارحين فقال: (الأنبياء أحياء، فقد رآهم ﵇ حقيقة، وقد مر على موسى ﵇ وهو قائم في قبره يصلي، ورآه في السماء السادسة) انتهى.
قلت: يعني: أنَّ الأنبياء عليهم [السلام] أحياء حقيقة، يدل عليه قوله ﵇ في هذا الحديث: (وجد... إلى آخره)، وهو يدل على أنه رآهم أحياء حقيقة، وكيف وقد قال تعالى في حق الشهداء: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] (^١)، فالمراد بقوله: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾؛ يعني: في الجنة، والجنة فوق السماوات، وإنَّهم أحياء حقيقة، كما نطق به الكتاب العزيز، فلا يكون الشهداء أرقى من الأنبياء، بل الأنبياء ﵈ أرقى حالًا منهم، كما لا يخفى؛ لأنَّه ليس فوق درجة النبوة شيء، خلافًا للمتصوفة الزاعمين ذلك، وهو كفر وزندقة؛ فليحفظ.
(ولم يثبت): من الإثبات (كيف منازلهم)؛ أي: لم يعين أبو ذر لكل نبي منهم سماء معينًا (غير أنه)؛ أي: أبا ذر (ذكر أنه)؛ أي: النبي الأعظم ﷺ (وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة) نعم في «الصحيحين» من حديث أنس، عن مالك بن صعصعة: (أنه وجد آدم في السماء الدنيا)، كما سلف في حديث أبي ذر، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم، وهو مخالف لرواية أنس عن أبي ذر: (أنه وجد إبراهيم في السماء السادسة)، وكذا جاء في «صحيح مسلم».
وأجيب: بأن الإسراء إن كان وقع مرتين؛ فيكون رأى إبراهيم في أحدهما؛ أي: أحد السماءين، ويكون استقراره ووطنه بها، والثانية في سماء غير وطنه، وإن كان الإسراء وقع مرة واحدة؛ فيكون رآه أولًا في السماء السادسة، ثم ارتقى معه إلى السماء السابعة، كذا قرره إمام الشَّارحين.

(^١) في الأصل: (ألم تر إلى الذين قتلوا في سبيل الله أموات بل أحياء عند ربهم يرزقون).

1 / 217