218

Aṣl al-zarārī sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī - makhṭūṭ

أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

وزعم ابن حجر أنَّ المعراج إن كان وقع مرة واحدة، فالأرجح رواية الجماعة؛ لقوله فيها: إنه رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وهو في السماء السابعة بلا خلاف، ورده إمام الشَّارحين فقال: وقول هذا القائل: (بلا خلاف) غير صحيح؛ لأنَّ فيه خلافًا، فقد روي عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع: (أنه في السماء الدنيا)، وروي عن علي: (أنه عند شجرة طوبى في السماء السادسة)، وروي عن الضحاك ومجاهد: (أنه في السماء السابعة).
فإن قلت: كيف يجمع بين هذه الأقوال وفيها منافاة؟
قلت: لا منافاة بينها؛ لأنَّه يحتمل أنَّ الله تعالى رفعه ليلة المعراج إلى السماء السادسة عند سدرة المنتهى، ثم إلى السماء السابعة تعظيمًا للنبيِّ الأعظم ﷺ حتى يراه في أماكن، ثم أعاده إلى السماء الدنيا.
وفي «تفسير» الحافظ النسفي: البيت المعمور: حذاء العرش بحيال الكعبة، يقال له: الضراح، حرمته في السماء كحُرمة (^١) الكعبة في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، يطوفون به، ويصلون فيه، ثم لا يعودون إليه أبدًا، وخادمه ملك يقال له: رزين، وقيل: كان في الجنة، فحمل إلى الأرض؛ لأجل آدم، ثم رفع إلى السماء أيام الطوفان.
قلت: الضُّراح؛ بضم الضاد المعجمة، وبالحاء المهملة، وقال الصاغاني: ويقال له: الضريح أيضًا، انتهى كلام إمامنا في «عمدة القاري».
(قال أنس): هو ابن مالك، وظاهره أن أنسًا لم يسمع من أبي ذر هذه القطعة الآتية، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: وهي قوله: (فلما مَرَّ)؛ بفتح الميم، وتشديد الراء المفتوحة، من المرور (جبريل بالنبي) الأعظم ﷺ؛ يعني: في السماوات مصاحبًا لنبينا ﵇ (بإدريس) والجار والمجرور في الموضعين يتعلقان كلاهما بقوله: (مر)، فالأولى للمصاحبة كما ذكرنا، والثانية للإلصاق، أو بمعنى: على، وجاز تعلق حرفين من جنس واحد بمتعلق واحد وإن كانا ليسا من جنس واحد؛ لصحة المعنى في ذلك، خلافًا لمن منعه، بل هذا يدفعه، أفاده إمام الشَّارحين.
(قال)؛ أي: إدريس حين رأى النبيَّ الأعظم ﷺ: (مرحبًا)؛ بالنصب على المفعولية المطلقة؛ يعني: أتيت مكانًا رحبًا واسعًا سهلًا (بالنبي الصالح)؛ أي: القائم بحقوق الله، وحقوق عباده (والأخ الصالح) وإنما لم يقل: والابن كما قال آدم؛ لأنَّ إدريس لم يكن من آبائه ﵇، كذا قاله القسطلاني.
قلت: وكان ينبغي لإدريس أن يقول: والابن؛ لأنَّه أكبر سنًّا منه، لكنه لما علم أنه أفضل منه حيث جاء إلى مكان لم يجئه أحد قبله ﵇؛ علم بالقرينة أنه أفضل منه قدرًا عند الله ﷿، فوصفه بالأخوة، وهي تقتضي المشاركة في النبوة فقط؛ فليحفظ.
(فقلت)؛ أي: قال النبيَّ الأعظم ﷺ فقلت: (مَن)؛ بفتح الميم (هذا؟)؛ أي: يا جبريل الذي قال هذا القول، (قال): وللأصيلي: (فقال)؛ أي: جبريل (هذا إدريس) ﵇، وسمي به؛ لدرسه الصحف الثلاثين التي أنزلت (^٢) عليه، فقيل: إنه خنوخ، ويقال: أحنوخ، ويقال: أخنخ، ويقال: أهنخ بن برد بن مهليل بن قينن بن يانش بن شيث بن آدم ﵇، واسم أمه: بره، وخنوخ اسم سرياني؛ ومعناه بالعربية: إدريس، قال وهب: هو جد نوح ﵇، وقد قيل: إنه إلياس، وإنه ليس بجد نوح، ولا هو في عمود هذا النسب، ونقله السهيلي عن ابن العربي، ويشهد له حديث الإسراء حيث قال فيه: (مرحبًا بالأخ الصالح)، ولو كان في عمود هذا النسب؛ لقال له كما قال إبراهيم: (والابن الصالح)، وزعم ابن حجر أن إدريس كان نبيًّا في بني إسرائيل، فإن كان كذلك؛ فلا اعتراض عليه، وزعم النووي يحتمل أنه قاله تلطفًا وتأدبًا، وهو أخ وإن كان ابنًا، والأبناء إخوة، والمؤمنون إخوة، وزعم ابن المنير أكثر الطرق على أنه خاطبه بالأخ، قال: وقال لي ابن أبي الفضل صحت لي طريق أنه خاطبه فيها: (بالابن الصالح)، وقال المارزي: ذكر المؤرخون: أن إدريس أرسل إليه، ولم يصح قول النسابين: إنه نوح؛ لأخبار نبينا ﵇ في الحديث الصحيح: «ائتوا نوحًا، فإنه أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض»، وإن لم يقم دليل جازم، وقال: وصح أن إدريس كان نبيًّا، ولم يرسل إليه، قال السهيلي: (وحديث أبي ذر الطويل يدل على أن آدم وإدريس رسولان).
قلت: حديث أبي ذر أخرجه ابن حبان في «صحيحه» رفع إلى السماء الرابعة، ورآه ﵇ فيها، ورفع وهو ابن ثلاث مئة وخمس وستين سنة)، كذا في «عمدة القاري».
(ثم مررت بموسى): هو ابن عمران ﵇ صاحب الخضر، نبي بني إسرائيل، المتوفى في التيه في سابع إدار لمضي ألف سنة وست مئة وعشرين سنة من الطوفان عن مئة وستين سنة؛ يعني: قال النبيُّ الأعظم ﷺ: «ثم مررت بموسى»، ففي الكلام حذف؛ تقديره هكذا؛ لأنَّه قال أولًا: (فلما مر جبريل)، فما وجه قوله بعد: (ثم مررت بموسى)؟
فالذي قدرناه هو وجهه، وفيه وجه آخر، وهو أن يكون الأول نقلًا بالمعنى، والثاني يكون نقلًا باللفظ بعينه، كذا قاله إمام الشَّارحين.
(فقال)؛ أي: موسى له (مرحبًا بالنبيِّ الصالح، والأخ الصالح) وسقط قوله: (والأخ الصالح) في رواية الأربعة، (قلت)؛ أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ: «قلت»، وفي رواية: (فقلت) (من هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا موسى) بني إسرائيل: هو ابن عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوى بن يعقوب ﵇، (ثم مررت بعيسى)؛ أي: صاحب الإنجيل، (فقال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح) قال ﵇ (فقلت): وفي رواية: (قلت) (من هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا عيسى): هو ابن مريم، وسقط لفظة (هذا) عند أبي ذر، ومريم بنت عمران بن أسهم من ولد سليمان بن داود ﵇، وليس عمران هذا عمران والد موسى وهارون؛ لأنَّ عمران والد مريم كان بعد والد موسى بألف وثمان مئة سنة، والمراد بالـ (كلمة) في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ﴾ [آل عمران: ٣٩]: هو عيسى ﵇، وهو قول الجمهور، وكان يحيى ﵇ أول من صدق بعيسى وآمن به.
وقال السدي: (لقيت أم يحيى أم عيسى، وهذه حاملة بعيسى وتلك بيحيى، فقالت: يا مريم؛ شعرت أني حبلى، فقالت مريم: وأنا أيضًا حبلى، قالت امرأة زكريا: وإني (^٣) وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذاك قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ﴾).
قال ابن عباس: (إن يحيى كان أكبر سنًّا من عيسى بستة أشهر)، وكان يحيى أول من صدق وآمن بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيى ﵇ قبل أن يرفع (^٤) عيسى ﵇، وإنما سمي روحًا؛ لأنَّه أحيا الله به من الضلالة كما يحيي الإنسان

(^١) في الأصل: (كحرمته)، ولعل المثبت هو الصواب.
(^٢) في الأصل: (أنزلت على عليه).
(^٣) في الأصل: (وفإني)، وليس بصحيح.
(^٤) في الأصل: (رفع)، ولعله تحريف.
بالروح، وإنما سمي كلمة؛ لأنَّه بها تكون، والمسيح لقبه، وهو من الألقاب المشرفة؛ كالصديق، وأصله بالعبرانية مشيحا؛ ومعناه: المبارك، وعيسى اسمه معرب أيشوع، وابن مريم كنيته، وإنما قيل: ابن مريمتنبيهًا إلى أنه يولد من غير أب؛ لأنَّ الأولاد تنسب إلى الآباء، ولا تنسب إلى الأم إلا إذا فقد الأب، والمسيح مشتق من المسح؛ لأنَّه مسح الأرض، ولم يقم في موضع، وقيل: لأنَّه مسح بالبركة، أو بما طهره من الذنوب، وعيسى مشتق من العيس؛ وهو بياض يعلوه حمرة، وقد أخبر نبينا ﵇: بأنَّ وجهه كأنَّه خرج من ديماس؛ أي: حمام.
(ثم مررت)؛ أي: في السماء (بإبراهيم)؛ ومعناه: أب راحم، وكنيته أبو الضيفان، قيل: إنه ولد بغوطة دمشق ببرزة في جبل قاسيون، والصحيح: أنه ولد بكوثا من إقليم بابل من العراق، وكان بينه وبين نوح عدة قرون، وقيل: ولد على رأس ألفي سنة من خلق آدم ﵇، وذكر الطبري: (أن إبراهيم إنَّما نطق بالعبرانية حين عبر النهر فارًّا من نمرود اللعين، فقال نمرود للذين أرسلهم في طلبه: إذا وجدتم فتَى يتكلم بالسريانية؛ فردوه، فلما أدركوه؛ استنطقوه، فحول الله لسانه عبرانيًّا، وذلك حين عبر النهر، فسميت العبرانية بذلك).
قلت: والمراد من هذا النهر هو الفرات، وبلغ إبراهيم مئتي سنة، وقيل: ينقص خمسة وعشرين، ودفن بالبلد المعروفة بالخليل ﷺ، قاله إمام الشَّارحين.
(فقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح) إنَّما وصفه بالبنوة؛ لأنَّه ﵇ من أولاده، ولأنه أبو الأنبياء، فإن يعقوب ﵇ من ذريته، وهو جده، وهو أول بني إسرائيل، وآخرهم عيسى ﵇، فالأنبياء بينهما كثير، فهو الأب الثاني كما قيل، (قلت: من هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا إبراهيم)؛ أي: خليل الرحمن ﵇، وإنما عين النبيُّ الأعظم ﷺ من الأنبياء آدم، وإدريس، وإبراهيم، وموسى، وعيسى في حديث هذا الباب، وفي غيره ذكر أيضًا يحيى، ويوسف، وهارون، وهم ثمانية.
وأجيب: أما آدم ﵇؛ فإنه خرج من الجنة بعداوة إبليس عليه اللعنة له وتحيله، وكذلك نبينا الأعظم ﷺ خرج من مكة بأذى قومه له ولمن أسلم معه، وأيضًا فإن الله تعالى أراد أن يعرض على نبيه ﵇ نسم بنيه من أهل اليمين وأهل الشمال؛ ليعلم بذلك أهل الجنة وأهل النار، وأما إدريس ﵇؛ فإنه كان أول من كتب بالقلم وانتشر منه بعده في أهل الدنيا، فكذلك نبينا الأعظم ﷺ كتب إلى الآفاق، وأما موسى ﵇؛ فإن أمره آل إلى قهر الجبابرة وإخراجهم من أرضهم، فكذلك نبينا الأعظم ﷺ، فإن اليهود أرادوا قتله حين سمُّوا له الشاة، فنجاه الله تعالى من ذلك، وأما إبراهيم ﵇؛ فإن نبينا الأعظم ﷺ رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وكذلك حال نبينا ﵇ كان في حجة البيت العتيق، واختتام عمره بذلك نظير لقائه إبراهيم في آخر السماوات، وأما عيسى ﵇؛ فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وكذلك نبينا الأعظم ﷺ، فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، وتنطق له الغزالة، والجمل، والكتف المسموم، وأما يحيى ﵇؛ فإن نبينا الأعظم ﷺ رآه مع عيسى في السماء، وإنه رأى من اليهود ما لا يوصف حتى ذبحوه، فكذلك ﷺ رأى من قريش ما لا يوصف، ولكن الله تعالى نجاه منهم، وأما يوسف ﵇؛ فإنه لما عفا عن إخوته حيث قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ...﴾؛ الآية [يوسف: ٩٢]؛ فكذلك نبينا الأعظم ﷺ عفى عن قريش يوم فتح مكة، وأما هارون ﵇؛ فإنه كان محببًا إلى بني إسرائيل حتى إن قومه كانوا يؤثرونه على موسى ﵇، فكذلك نبينا الأعظم ﷺ صار محببًا عند سائر الخلق الإنس، والجن، والوحوش، والطيور.
فإن قلت: قوله في الحديث: (ولم يثبت كيف منازلهم) يخالفه كلمة (ثم) التي هي للترتيب.
قلت: أجيب: بأن أنسًاإما لم يرو هذا عن أبي ذر، وإما أن يقال: لا يلزم منه تعيين منازلهم لبقاء الإبهام فيه؛ لأنَّ إبراهيم بينه وبين آدم ثلاثة من الأنبياء، وأربعة من السماوات، أو خمسة؛ لأنَّه جاء في بعض الروايات: (أن إبراهيم في السماء السابعة)، كذا قاله إمام الشَّارحين.
قلت: يعني: إن (ثم) هنا للترتيب الذكري، وليست على بابها من الترتيب في المنازل، وقد يقال: إنَّ هذا جارٍ على القول بتعدد المعراج؛ لأنَّ الروايات قد اتفقت على أنَّ المرور بإبراهيم كان قبل المرور بموسى ﵉؛ فليحفظ.
(قال ابن شهاب): هو محمد بن مسلم الزهري: (فأخبرني)؛ بالإفراد (ابن حَزْم)؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي: هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني قاضي المدينة وأميرها زمن الوليد، وأبوه محمد، وله في عهد النبيِّ الأعظم ﷺ، وأمر ﵇ أباه أن يكنيه بأبي عبد الملك، وكان فقيهًا فاضلًا، قتل يوم الحرة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وهو تابعي، وذكره ابن الأثير في الصحابة، ولم يسمع الزهري منه؛ لتقدم موته، كذا قاله إمام الشَّارحين، وقول القسطلاني: (إنه مات سنة عشرين ومئة عن أربع وثمانين سنة): فيه نظر؛ لأنَّ صوابه أنه عن ثلاث وخمسين سنة؛ فافهم.
(أن) بفتح الهمزة (ابن عباس): هو عبد الله ﵄ (وأبا حَبَّة)؛ بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة، وهو المشهور، وقال القابسي: (بالمثناة التحتية)، وغلطوه في ذلك، وقال الواقدي: (بالنون) (الأنصاري) البدري، واختلف في اسمه، فقال أبو زرعة: (إنه عامر)، وقيل: عمرو، وقيل: ثابت، وقال الواقدي: (إنه مالك).
فإن قلت: في هذا الإسناد وهم؛ لأنَّ رواية أبي بكر عن أبي حبة منقطعة؛ لأنَّه استشهد يوم أحد قبل مولد أبي بكر بدهر، بل قبل مولد أبيه محمد أيضًا، ففي هذه الرواية وهم؛ لأنَّه إن كان المراد بـ (ابن حزم) أبا بكر؛ فهو لم يدرك أبا حبة، وإن كان محمد؛ فهو لم يدركه الزهري.
قلت: أجيب: بأن ابن حزم رواه عنه مرسلًا؛ حيث قال: (إن ابن عباس وأبا حبة)، ولم يقل: سمعت، وأخبرني،

1 / 218