219

Aṣl al-zarārī sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī - makhṭūṭ

أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

ونحوهما، فلا وهم فيه، وهكذا أيضًا في «صحيح مسلم»، كذا قاله إمام الشَّارحين؟
قلت: وقول أبي زرعة إن اسمه عامر هو ابن عبد عمرو بن عمير بن ثابت، وأنكر الواحدي أن يكون في البدرين من يكنى أبا حبة؛ بالموحدة، وقال في «الإصابة»: وروى عنه أيضًا عمار بن أبي عمار، وحديثه عنه في «مسند» ابن أبي شيبة، وأحمد ابن حنبل، وصححه الحاكم، وصرح بسماعه منه، وعلى هذا؛ فهو غير الذي ذكر ابن إسحاق: أنه استشهد بأحد، وله في الطبراني حديث آخر من رواية عبد الله بن عمرو بن عثمان عنه، وسنده قوي إلا أن عبد الله بن عمرو بن عثمان لم يدركه، انتهى.
قال ابن حزم: (كانا)؛ أي: ابن عباس، وأبو حبة (يقولان: قال النبيُّ) الأعظم ﷺ: ثم عَرَجَ)؛ بفتحات، أو بضم الأول، وكسر الثاني؛ أي: صعِد (بي)؛ أي: جبريل (حتى ظهرت)؛ أي: علوت وارتفعت، ومنه قوله: والشمس في حجرتها لم تظهر (لمستوَى)؛ بفتح الواو، المراد به: المصعد، وقيل: هو المكان المستوي، وقال أبو ربيعة: (أستوي: أصعد)، واللام فيه للتعليل؛ أي: علوت لأجل استعلاء مستوى، أو لأجل رؤيته، أو تكون بمعنى: إلى، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]؛ أي: إليها، ويجوز أن يكون متعلقًا بالمصدر؛ أي: ظهرت ظهور المستوي.
قلت: فإذا كانت (اللام) بمعنى: إلى؛ يكون المعنى: إني أقمت مقامًا بلغت فيه من رفعة المحل إلى حيث اضطلعت على الكوائن، وظهر لي ما يراد من أمر الله ﷿ وتدبيره في خلقه، وهذا هو المنتهى الذي لا يقدر أحد عليه، ويقال: لام القرض، وإلى الغاية يلتقيان في المعنى.
قلت: قال المحقق الزمخشري في قوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩]: فإن قلت: يجري لأجل مسمًّى ويجري إلى أجل مسمَّى: أهو من تعاقب الحرفية؟
قلت: كلا، ولن يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع ضيق العطن، ولكن المعنيين-أعني: الانتهاء والاختصاص- كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض؛ لأنَّ قولك: يجري إلى أجل مسمًّى؛ معناه: يبلغه وينتهي إليه، وقولك: يجري لأجل مسمًّى؛ يريد يجري لإدراك أجل مسمًّى، كذا قرره إمام الشَّارحين.
(أسمع فيه صَريف الأقلام)؛ بفتح الصاد المهملة، وهو تصويتها حال الكتابة، والمراد به: صوت ما يكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ، أو ما شاء الله من ذلك أن يكتب ويرفع لما أراده من أمره وتدبيره في خلقه سبحانه، لا يعلم الغيب إلا هو الغني عن الاستذكار بتدوين الكتب والاستثبات بالصحف، وأحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، قاله إمام الشَّارحين.
فإن قلت: ما الحكمة في الإسراء؟
قلت: أجيب: بأنه إنَّما كان للمفاجأة، ولهذا كان عن غير مواعدة، وهذا أوقع وأعظم، وكان التكلم مع موسى عن مواعدة وموافاة، فأين ذاك من هذا، وشتان ما بين المقامين، وبين من كلم على الطور، وبين من دعي إلى أعالي البيت المعمور، وبين من سخرت له الريح مسيرة شهر، وبين من ارتقى من الفرش إلى العرش في ساعة زمانية؟!
فإن قلت: فما الحكمة في كون الإسراء كان ليلًا بالنص؟
قلت: أجيب بأوجه:
الأول: أنه وقت الخلوة والاختصاص، ومجالسة الملوك، وهو أشرف من مجالستهم نهارًا، وهو وقت مناجاة الأحبة.
الثاني: أنَّ الله تعالى أكرم جماعة من أنبيائه بأنواع الكرامات، فقال تعالى في حق إبراهيم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦]، وفي قصة لوط ﵇: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١]، وفي قصة يعقوب ﵇: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]، وكان آخر دعائه وقت السحر من ليلة الجمعة، وقرب موسى ﵇ نجيًّا ليلًا، وذلك قوله: ﴿فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٠] (^١)، وقال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وقال له لما أمره بخروجه من مصر ببني إسرائيل: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣]، وأكرم نبينا الأعظم ﷺ أيضًا ليلًا بأمور؛ منها: انشقاق القمر، وإيمان الجن به، ورأى الصحابة آثار نيرانهم كما ثبت في «صحيح مسلم»، وخرج إلى الغار ليلًا.
الثالث: أنَّ الله تعالى قدم ذكر الليل على النهار في غير ما آية، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]، وقوله: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠]، وليلة النحر تغني عن الوقوف نهارًا.
الرابع: أنَّ الليل أصل، ولهذا كان أول الشهور وسواده يجمع ضوء البصر، ويحد كليل النظر، ويسلتذ فيه بالسمر، ويجتلى فيه وجه القمر.
الخامس: أنه لا ليل إلا ومعه نهار، وقد يكون نهار بلا ليل، وهو يوم القيامة الذي مقداره خمسين ألف سنة.
السادس: أنَّ الليل محل إجابة الدعاء والغفران والعطاء.
فإن قلت: ورد في الحديث: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة، ويوم الجمعة».
قلت: قالوا ذاك بالنسبة إلى الأيام.
قلت: ليلة القدر خير من ألف شهر، وقد دخل في هذه الليلة أربعة آلاف جمعة بالحساب الجلي؛ فتأمل هذا الفضل الخفي.
السابع: أن أكثر أسفاره ﵇ كان ليلًا، وقال: «عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل».
الثامن: لينفي عنه ما ادعته النصارى في عيسى ﵇ لما رفع نهارًا من البنوة تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
التاسع: لأنَّ الليل وقت الاجتهاد للعبادة، وكان ﵇ يقوم حتى تورمت قدماه، وكان قيام الليل في حقه واجبًا، وقال في حقه: ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ*قُمِ اللَّيْلَ إِلَاّ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢]، فلما كانت عبادته ليلًا أكثر؛ أكد بالإسراء فيه، وأمره بقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩].
العاشر: ليكون أجر المصدق به أكثر؛ ليدخل فيمن آمن بالغيب دون من عاينه نهارًا، كذا قرره إمام الشَّارحين أيضًا ﵁.
قلت: وفي هذا دليل على أنَّ الليل أفضل من النهار؛ فليحفظ.
(قال ابن حزم): المذكور عن شيخيه (و) قال (أنس بن مالك)؛ أي: عن أبي ذر الغفاري، كذا جزم به صاحب «الأطراف»، والظاهر: أنه من جملة مقول ابن شهاب، ويحتمل أن يكون تعليقًا من البخاري، وليس بين أنس وبين رسول الله ﷺ ذكر أبي ذر، ولا بين ابن حزم ورسول الله ﷺ ذكر ابن عباس وأبي حبة، فهو إما من قبيل المرسل، وإما أنه ترك الواسطة اعتمادًا على ما تقدم آنفًا، مع أنَّ الظاهر من حال الصحابي أنه إذا قال: (قال رسول الله ﷺ؛ يكون بدون الواسطة، فلعل أنسًا ﵁ سمع هذا البعض من الحديث من رسول الله ﷺ، والباقي سمعه من أبي ذر، كذا قرره في «عمدة القاري».
(قال النبيُّ) الأعظم ﷺ:

(^١) في الأصل: (إذ قال لأهله امكثوا إني آنست نارًا).
ففرض الله) زاد الأصيلي: ﷿ (على أمتي خمسين صلاة) وعند مسلم من رواية أنس: (ففرض الله علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة)، ونحوه من رواية مالك بن صعصعة عند المؤلف، فيحتمل أن يقال: في كل من رواية الباب، والرواية الأخرى اختصارًا، ويقال: ذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على أمته وبالعكس إلا ما يستثنى من خصائصه، كذا في «عمدة القاري»، (فرجعت بذلك)؛ أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ: فرجعت من المكان الذي عرجت منه مصاحبًا للصلوات المفروضات عليَّ وعلى أمتي (حتى مررت على موسى): هو ابن عمران ﵇ صاحب الخضر ﵇، (فقال: ما فرض الله لك على أمتك)؛ يعني: ما فرض الله على أمتك بمصاحبتك من الصلوات؟ أو ما فرض الله لأجلك على أمتك من الصلوات؟ (قلت)؛ أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ: قلت لموسى: (فرض)؛ أي: الله علي وعلى أمتي (خمسين صلاة) في كل يوم وليلة، (قال موسى: فارجع إلى ربك)؛ أي: إلى الموضع الذي ناجيت فيه ربك أولًا، (فإن أمتك لا تطيق) وقوله: (ذلك)؛ أي: إقامة خمسين صلاة في كل يوم وليلة ثابت في رواية، ساقط في أخرى.
فإن قلت: ما وجه اعتناء موسى ﵇ بهذه الأمة من بين سائر الأنبياء ﵈ الذين رآهم النبيُّ الأعظم ﷺ ليلة الإسراء؟
قلت: أجيب: بأنه قد ورد عن موسى أنه قال: يارب؛ اجعلني من أمة محمد ﷺ؛ لما رأى من كرامتهم على ربهم، فكان اعتناؤه بأمرهم وإشفاقه عليهم كما يعتني بالقوم من هو منهم، وقال الداودي: (إنما كان ذلك من موسى ﵇؛ لأنَّه أول من سبق إليه حين فرضت الصلاة فجعل الله في قلب موسى من ذلك؛ ليتم ما سبق من علمه ﷿، كذا في «عمدة القاري».
قلت: ويحتمل أنه ﵇ لما عالج بني إسرائيل، وحصل له منهم ما وقع، وعلم أنَّ الفرائض خمسون كثيرة لا يستطاع أداؤها في كل يوم وليلة، وعلم أن أمة نبينا ﵇ أضعف الأمم من حيث إنه ﵇ قال: «بعثت بالدين الحنيفية السمحة»، وأنَّهم خير أمة من حيث كثرة الثواب، فخاف ألَّا تقبل الأمة الخبر المرقوم، ولا يستطيعون لفعله، وأنه ﵇ قام مقامًا يغبطه فيه الأولون والآخرون، فخاف أن يكون مقامه عبثًا، فأخبره بعدم الإطاقة حتى يكون مقامه معمولًا بمقتضاه مستوجبًا للفوز في الآخرة، فلهذا قال نبينا ﵇: (فراجعت)؛ أي: ربي في تخفيفها، وفي رواية: (فراجعني)، والمعنى واحد، والرواية الأولى للأربعة، وعزاها إمام الشَّارحين للكشميهني، والثانية لغيره، (فوضع)؛ أي: حط ربي عني، وعن أمتي (شطرها) وفي رواية مالك بن صعصعة: (فوضع عني عشرًا)، ومثله لشريك، وفي رواية ثابت: (فحط عني خمسًا)، والشَّطْر؛ بفتح الشين المعجمة، وسكون الطاء المهملة، قال الكرماني: (هو النصف).
قلت: وهو بعيد لم يرد في كلام العرب، وإنما الذي ورد في كلام العرب: أنَّ الشطر: هو البعض، وقد جاء بمعنى: الجهة أيضًا، ورواية مالك وثابت المذكورتان تدلان على أنَّ المراد بالشطر: هو البعض؛ فليحفظ.
وزاد ثابت في روايته: أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، ولا يخفى أن هذه زيادة من ثقة وهي مقبولة معتمدة، فينبغي حمل ما في الروايات عليها، كما سيأتي.
(فرجعت إلى موسى) ﵇؛ أي: المكان الذي فيه موسى (فقلت): وفي رواية: (قلت)؛ يعني: لموسى (وضع) أي: حط عني، وعن أمتي ربي (شطرها) أيضًا، (فقال): وفي رواية: (قال)؛ أي: موسى (راجع ربك)، وفي رواية: (ارجع إلى ربك)؛ يعني: فاسأله التخفيف، (فإن أمتك لا تطيق)؛ أي: لا تستطيع العمل بذلك، (فراجعت) ولابن عساكر: (فرجعت)؛ أي: إلى ربي، (فوضع) أي: حط عني، وعن أمتي (شطرها) أيضًا، قال الكرماني: (الشطر: هو النصف، ففي المراجعة الأولى وضع خمسًا (^١) وعشرين، وفي الثانية ثلاثة عشر؛ يعني: بتكميل المنكسر؛ إذ لا معنى لوضع بعض صلاة، وفي الثالثة سبعًا (^٢».
ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا كلام لا يتجه، وهو يخالف ظاهر عبارة حديث الباب؛ لأنَّ المراجعة المذكورة فيه ثلاث مرات، ولم يجعل الوضع إلا في المرتين الأوليين، وفي المرة الثالثة قال: «هن خمس وهن خمسون»، فلم يحصل الوضع ههنا، ويلزم من كلامه أن تكون المراجعة أربع مرات؛ في الأولى الشطر، وفي الثانية ثلاثة عشر، وفي الثالثة سبعة، وفي الرابعة قال: «هن خمس»، وليس الأمر كذلك).
وزعم ابن المنير أن ذكر الشطر أعم من كونه وضع دفعة واحدة، وزعم ابن حجر قلت: وكذا العشر، فكأنه وضع العشر في دفعتين، والشطر في خمس دفعات، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا يكون سبع دفعات، ففي المراجعة الأولى دفعتان، وهما عشرون كل دفعة عشرة، وفي الثانية يكون خمس دفعات كل دفعة خمس، فيصير خمسة وعشرين، ولكن هل كل دفعة في مراجعة، فيصير سبع مراجعات؟ أو دفعتان في المراجعة الأولى، وخمس دفعات في الثانية؟ ولكل منهما وجه بالاحتمال، ولكن ظواهر الروايات لا تساعد شيئًا من ذلك إلا بالتأويل، وهو أن يكون المراد من الشطر: البعض، وقد جاء ذلك في كلام العرب، وجاء أيضًا بمعنى: الجهة؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]؛ أي: جهته، وإذا كان كذلك؛ يكون المراد من الشطر في المراجعة الأولى: العشر مرتين، وفي الثانية: الخمس خمس مرات، فتكون الجملة خمسة وأربعين.
فإن قلت: إذا كان الفرض أولًا هو الخمسون؛ كيف جاز

(^١) في الأصل: (خمس)، ولعل المثبت هو الصواب.
(^٢) في الأصل: (سبعة)، ولعل المثبت هو الصواب.

1 / 219