220

Aṣl al-zarārī sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī - makhṭūṭ

أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

وقوع هذا التردد والمراجعة من النبيِّ الأعظم ﷺ وبين موسى كليم الله ﵇؟
قلت: كانا يعرفان أنَّ الأولى غير واجب قطعًا، فلو كان واجبًا قطعًا؛ ما كان يقبل التخفيف، ولا كان النبيان العظيمان يفعلان ذلك) انتهى كلامه.
(فرجعت إليه)؛ أي: إلى موسى ﵇، وفي الكلام حذف؛ تقديره: فقلت لموسى: وضع ربي شطرها عني وعن أمتي، (فقال)؛ أي: موسى: (ارجع إلى ربك)؛ أي: إلى الموضع الذي ناجيته فيه، (فإن أمتك لا تطيق ذلك)، فاسأله التخفيف، (فراجعته)؛ أي: ربي ﷾، (فقال) الله ﷿: (هن) وفي رواية: (هي) (خمس)؛ يعني: خمس صلوات مفروضات في العمل من جهة العدد في الفعل، والضمير فيه وفي تاليه مبهم يفسره الخبر؛ كقوله:
هي النفس ما حملتها تتحمل... . . . . . . . . . . . . .
(وهن) وفي رواية أبي ذر كالأولى: (هي) (خمسون)؛ يعني: باعتبار الثواب؛ لأنَّ كل حسنة بعشرة أمثالها، كما في النص القرآني، وكان الفرض في الأول خمسين، ثم إنَّ الله تعالى رحم عباده وجعله خمسًا (^١)؛ تخفيفًا لنا، ورحمة علينا، ثم هذا هل هو نسخ أم لا؟ فاستدل قوم بالنقص على أنه يجوز نسخ العبادة قبل العمل بها، وأنكر النحاس هذا القول من وجهين:
أحدهما: البناء على أصله، ومذهبه: أن العبادة لا يجوز نسخها قبل العمل بها؛ لأنَّ ذلك عنده من البداء، والبداء على الله محال.
الثاني: أن العبادة وإن جاز نسخها قبل العمل بها عند من يراه؛ فليس يجوز عند أحد نسخها قبل هبوطها إلى الأرض ووصولها إلى المخاطبين، قال: وإنما ادعى النسخ فيها الكاشاني؛ ليصح بذلك مذهبه في أن البيان لا يتأخر، قال النحاس: (وهذا إنَّما يسمى شفاعة شفعها النبيُّ الأعظم ﷺ لأمته، ومراجعته التي راجعها ربَّه؛ ليخفف عن أمته، ولا يسمى نسخًا) انتهى.
واعترضه السهيلي فقال: وقول النحاس: (وذلك بداء): ليس بصحيح؛ لأنَّ حقيقة البداء أن يبدو للآمر رأي يتبين الصواب فيه بعد إن لم يكن تبينه، وهذا محال في حق الله ﷿، والذي يظهر أنه نسخ ما وجب على النبيِّ الأعظم ﷺ من أدائها، ورفع عنه استمرار العزم واعتقاد الوجوب، وهذا نسخ على الحقيقة نسخ عنه ما وجب عليه من التبليغ، فقد كان في كل مرة عازمًا على تبليغ ما أمر به، ومراجعته وشفاعته لا تنفي النسخ؛ لأنَّ النسخ قد يكون عن سبب معلوم، فشفاعته ﵇ كانت سببًا للنسخ لا مبطلة لحقيقته، ولكن المنسوخ ما ذكرناه من حكم التبليغ الواجب عليه قبل النسخ وحكم الصلوات في خاصته، وأما أمته؛ فلم ينسخ عنهم حكم؛ إذ لا يتصور نسخ الحكم قبل وصوله إلى المأمور، والوجه الثاني: أن يكون هذا خبرًا لا تعبدًا، فإذا كان خبرًا؛ لا يدخله النسخ، ومعنى الخبر: أنه ﵇ أخبره ربه أن على أمته خمسين صلاة؛ ومعناه: أنها في اللوح المحفوظ خمسون، فتأولها ﵇ على أنها خمسون بالفعل، فبينها له ربه ﷿ عند مراجعته أنها في الثواب لا في العمل) انتهى ذكره إمام الشَّارحين.
ثم قال: (فإن قلت: ما معنى نقص الصلاة عشرًا بعد عشر؟
قلت: أجيب: بأنه ليس كل الخلق يحضر قلبه في الصلاة من أولها إلى آخرها، وقد جاء أنه يكتب له ما حضر قلبه منها، وأنه يصلي فيكتب له نصفها ربعها حتى انتهى إلى عشرها، ووقف، فهي خمس في حق من يكتب له عشرها، وعشر في حق من يكتب له أكثر من ذلك، وخمسون في حق من كملت صلاته بما يلزم من تمام خشوعها، وكمال سجودها وركوعها) انتهى.
ثم قال رحمه الله تعالى: (واستدل الشافعي به على عدم وجوب صلاة الوتر حيث عين الخمس.
قلنا: نحن إنَّما نقول: لم يجب الوتر في ذلك، وإنما كان وجوبه بعد ذلك بقوله ﷺ: «إن الله زادكم صلاة؛ ألا وهي الوتر...»؛ الحديث، فلذلك انحطت درجته عن الفرض؛ لأنَّ ثبوت الفرض الخمس بدليل قطعي) انتهى.
وأما ثبوت الواجب؛ فبدليل ظني لكن قد كثرت الأحاديث الصحاح في صلاة الوتر؛ منها: قوله ﷺ: «الوتر حق، فمن لم يوتر؛ فليس مني» قالها ثلاثًا، ومواظبة النبيِّ الأعظم ﷺ، كل ذلك يدل على الوجوب، ويثبت به الواجب، بل هذه الأحاديث تفيد الفرضية، وهو رواية عن إمامنا الأعظم، والصحيح عنه أنه واجب، وقال الإمامان أبو يوسف ومحمد: إنه سنة، ووفق المتأخرون: بأنه فرضٌ عملًا، واجبٌ اعتقادًا، سنةٌ ثبوتًا، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»، والله أعلم بالصواب.
قال الله تعالى: (لا يبدل القول لدي)؛ يعني: لا يبدل الإخبارات -مثل: أن ثواب الخمس خمسون- لا التكليفات، أو لا يبدل القضاء المبرم لا القضاء المعلق الذي يمحو الله ما يشاء منه ويثبت منه، أو معناه: لا يبدل القول بعد ذلك، كذا قاله إمام الشَّارحين.
(فرجعت إلى موسى) ﵇، فأخبرته بما وقع، والظاهر: أنه لم يخبره بقوله تعالى: (لا يبدل القول لدي)، يدل عليه قوله: (فقال)؛ أي: موسى له (راجع ربك) وللأصيلي: (ارجع إلى ربك)؛ لأنَّه لو أخبره بما قال؛ لما قال له: راجع ربك، واسأله التخفيف، ويحتمل أنه أخبره، لكن لما علم أن النبيَّ الأعظم ﷺ مكرم على ربه معظم؛ ظن أن يوضع عنه منها أيضًا؛ فتأمل.
(فقلت): ولأبي ذر: (قلت)؛ أي: لموسى: إني (استحييت) وللأصيلي: (قد استحييت) (من ربي) ووجه استحيائه من ربه أنه لو سأل الرفع بعد الخمس؛ لكان كأنه قد سأل رفع الخمس بعينها، فلذلك استحى عن أن يراجع ربه بعد ذلك، ولا سيما سمع من ربه: (لا يبدل القول لدي) بعد قوله: (هن خمس، وهن خمسون).
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون معنى قوله تعالى: (لا يبدل القول لدي): لا ينقص عن الخمس، ولا يبدل إلى أقل من ذلك؟
قلت: أجيب: بأنه لا يناسب لفظ قوله ﵇: «استحييت من ربي»، كذا في «عمدة القاري»، وزعم ابن حجر أن سبب الاستحياء أن العشرة آخر جمع القلة، وأول جمع الكثرة، فخشي أن يدخل في الإلحاح في السؤال، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا ليس بجواب في رواية هذا الباب، وأما في رواية مالك بن صعصعة وشريك: «فوضع عني عشرًا»؛ ففيه إلحاح؛ لأنَّ السؤال قد تكرر، وكيف

(^١) في الأصل: (خمس)، والمثبت هو الصواب.
لا، والإلحاح في الطلب من الله تعالى مطلوب؟) انتهى.
قلت: يدل عليه قوله ﵇: «إن الله يحب الملحِّين في الدعاء...»؛ الحديث، وقد اختلط على ابن حجر رواية الباب، ورواية مالك، فخبط، وقال ما قال؛ فافهم.
(ثم انطلق بي)؛ بفتح الطاء المهملة واللام، وسقط لفظة (بي) في رواية، والمراد بالفاعل الغائب المستتر في (انطلق): هو جبريل ﵇ (حتى انتهى بي)؛ أي: جبريل (إلى السدرة المنتهى) كذا للأربعة، وفي رواية: (إلى سدرة المنتهى)، والسِدْر؛ بكسر السين المهملة، وسكون الدال المهملة: هو شجر النبق، واحدته سدرة، وجمعها سدر وسدور، الأخيرة نادرة، وقال ابن زياد: (السدر: من العضاه، وهو لونان، فمنه عنبري، ضال خف، فأما العنبري؛ فما لا شوك فيه إلا ما لا يضير، وأما الضال خف؛ فهو ذو شوك، وللسدر ورقة عريضة مدورة، وربما كانت السدرة محلالًا، قال: وورق الضال خف صغار، وهو أجود نبق يعلم بأرض العرب نبق بهجر في بقعة واحدة، يحمى للسلطان وهو أشد نبق يعلم حلاوة وأطيبه رائحة، يفوح فم آكله كما يفوح العطر، وفي «نوادر الهجري»: (السدر: يطبخ، ويصبغ به)، وتجمع السدرة على سدْرات؛ بإسكان الدال المهملة، ويقال: بفتحها، ويقال: بكسرها مع كسر السين فيها، كذا في «عمدة القاري».
قلت: والمراد بها شجرة الصنوبر.
قال إمام الشَّارحين: (وهي فوق السماء السابعة)، وقال الخليل: (هي في السماء السابعة، قد أظلت السموات والجنة)، وفي رواية مسلم: (أنها في السماء السادسة)، والأول أكثر، ويحمل على أن أصلها في السادسة، ومعظمها في السابعة، وزعم عياض أن أصلها في الأرض؛ لخروج النيل والفرات من أصلها، انتهى.
قلت: وليس هذا بلازم، بل معناه: أن الأنهار تخرج من أصلها، ثم تسير حيث أراد الله تعالى حتى تخرج من الأرض، وتسير فيها، وورد: (أن من أصلها يخرج أربعة أنهار؛ نهران باطنان، ونهران ظاهران، فالباطنان: السلسبيل والكوثر، والظاهران: النيل والفرات)، وعن ابن عباس: (أنها عن يمين العرش)، وإنما سميت بـ (المنتهى)؛ لأنَّها أسفل العرش، لا يجاوزها ملك ولا نبي؛ يعني: بل ينتهي إليها، وفي الأثر: إليها ينتهي ما يعرج من الأرض، وما ينزل من السماء، فيفيض منها، وقيل: ينتهي إليها علم كل ملك مقرب ونبي مرسل، وقال كعب: (وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله)، وقيل: ينتهي إليها أرواح الشهداء، وقيل: إن أرواح المؤمنين تنتهي بها إليها، فيصلي عليها هناك الملائكة المقربون، انتهى ما قاله إمام الشَّارحين.
(وغشيها)؛ أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ: «وغشيها»؛ يعني: سدرة المنتهى (ألوان، لا أدري ما هي) واختلف فيما يغشاها؛ فقيل: يغشاها الملائكة حتى تغطى السدرة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، أو جراد من ذهب، أو هو الملائكة الذين يعبدون الله عندها، وقيل: بل يغشاها أنوار الله تعالى؛ لأنَّ النبيَّ الأعظم ﷺ لما وصل إليها؛ تجلى ربه لها كما تجلى للجبل، فظهرت الأنوار الإلهية عليها، لكن السدرة كانت أقوى من الجبل وأثبت، فجعل الجبل دكًّا ولم تتحرك الشجرة، وخر موسى صعقًا، ولم يتزلزل النبيُّ الأعظم ﷺ، وروي عنه ﵇ أنه قال: رأيت على كل ورقة من أوراقها ملكًا قائمًا يسبح الله تعالى، وفي إبهام ما يغشاها تعظيم وتكثير لما يغشاها من الخلائق، والغشيان يكون بمعنى: التغطية والستر، ويكون بمعنى: الإتيان أيضًا، قيل: وهو المناسب ههنا؛ فتأمل.
فإن قلت: العالم العلوي ليس فيه شيء مما هو في هذا العالم، فلا يكون فيه شجرة النبق، وهي شجرة الصنوبر، فما وجه قوله: (إلى سدرة المنتهى)؟
قلت: أجيب: بأن شجرة النبق لما كان لها ظل مديد، وطعم لذيذ، ورائحة زكية؛ شبهت بها شجرة المنتهى، فأطلق عليها اسم السدرة على سبيل الاستعارة؛ فليحفظ.
وقال مقاتل: (السدرة: هي شجرة طوبى، ولو أن رجلًا ركب هجينه وطاف على ساقها حتى أدركه الهرم؛ لما وصل إلى المكان الذي ركب منه، تحمل لأهل الجنة الحلي والحلل، وجميع ألوان الثمر)، وقيل: هي شجرة غير طوبى ثابتة في يمين العرش فوق السماء السابعة، تخرج أنهار الجنة من أصلها، كما قدمناه، وإضافة السدرة إلى المنتهى يحتمل أن تكون من قبيل إضافة الشيء إلى مكانه؛ كقولك: شجرة بلدة كذا، ومكان كذا، فالمنتهى حينئذٍ موضع لا يتعداه ملك أو نبي، كما ذكرناه؛ فتأمل، وجمهور المفسرين على أن النبيَّ الأعظم ﷺ لما رجع من عند ربه ﷿ ليلة الإسراء؛ رأى جبريل على صورته عند سدرة المنتهى، وقال ﵇: «رأيته عند سدرة المنتهى، وعليه ست مئة جناح يتناثر منها الدر والياقوت»، وهي مقام جبريل ﵇، أمَّ فيها النبيُّ الأعظم ﷺ ملائكة السماءكلها؛ فكان إمام الأنبياء في بيت المقدس، وإمام الملائكة عند سدرة المنتهى، فظهر بذلك فضله على أهل السماء والأرض، وقالت عائشة ﵂: (من حدث أن محمدًا رأى ربه؛ فقد كذب، ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَاّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١])، وقالت: (إن المرئي في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]: هو صورة جبريل)؛ حيث قالت: (ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين)، ووافقها ابن مسعود ﵁، وقال كعب الأحبار: (إن النبيَّ الأعظم ﷺ رأى ربه مرة أخرى، فإن الله كلم موسى مرتين، وأدنى محمدًا ﷺ مرتين)، وتبعه جماعة كثيرة من المفسرين، وقالوا: إن المرئي هو الله تعالى، وإنه ﵇ رأى ربه.
واختلفوا في أنه ﵇ هل رأى ربه بقلبه أو بعين رأسه؟
فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده، وهو قول عبد الله بن عباس، فقال: (رآه بفؤاده مرتين)، ويدل عليه أنه ﵇ قال: «رأيته بفؤادي، ولم أره

1 / 220