221

Aṣl al-zarārī sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī - makhṭūṭ

أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

بعيني»، وقال أنس، والحسن، وعكرمة: رأى محمد ﷺ ربه بعين رأسه، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: (إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدًا ﷺ بالرؤية).
واعلم أن رؤية الله تعالى في الدنيا جائزة؛ لأنَّ دليل الجواز غير مخصوص برؤيته في الآخرة، ولأن مذهب أهل السنة: أن الرؤية بالإراءة لا بقدرة العبد، فإذا حصل العلم بالشيء من طريق البصر؛ كان رؤية بالإراءة، وإن حصل من طريق القلب؛ كان معرفة، فالله تعالى قادر على أن يحصل مدرك العلوم في البصر، كما قدر على أن يحصل مدرك العلوم في القلب، والمسألة مختلف فيها بين الصحابة، والاختلاف في الوقوع مما ينبئ عن الاتفاق على الجواز، والله أعلم.
(ثم أُدخلت الجنة)؛ بضم الهمزة؛ أي: قال النبيُّ الأعظم ﷺ: ثم أدخلني جبريل الجنة، وهي جنة المأوى، وسميت بذلك؛ لأنَّه يأوي إليها المتقون، أو أرواح الشهداء، وقال إمام الشَّارحين: (وقوله ﵇: «ثم أدخلت الجنة» يدل على أن سدرة (^١) المنتهى ليست في الجنة)، وقال ابن دحية: كلمة (ثم) في هذا الحديث في مواضع ليست للترتيب، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، وإنما هي مثل (الواو) للجمع والاشتراك، فهي بذلك خارجة عن أصلها، انتهى.
(فإذا فيها)؛ أي: في الجنة، وكلمة (إذا) هنا والتي في قوله: (فإذا ترابها) للمفاجأة (حبائل اللؤلؤ)؛ بالحاء المهملة، ثم الموحدة، وبعد الألف مثناة تحتية ساكنة، ثم لام، كذا وقع لجميع رواة البخاري، وذكر جماعة منهم: أنه تصحيف، وإنما هو (جنابذ)؛ بالجيم والنون، وبعد الألف موحدة، ثم ذال معجمة، كما وقع عند المصنف في (أحاديث الأنبياء) من رواية ابن المبارك وغيره عن يونس، وكذا عند غيره من الأئمة، وقال ابن الأثير: (إن صحت رواية «حبائل»؛ فيكون أراد به مواضع مرتفعة؛ كحبال الرمل، كأنه جمع حبالة، وحبالة جمع حبل على غير قياس)، وفي رواية الأصيلي عن الزهري: (دخلت الجنة، فرأيت فيها جنابذ من اللؤلؤ)، وقال ابن قرقول: كذا لجميعهم: (حبائل)، ومن ذهب إلى صحة الرواية؛ قال: إن الحبائل: القلائد والعقود، أو يكون من حبال الرمل؛ يعني: فيها اللؤلؤ؛ كحبال الرمل، وهو جمع حبل؛ وهو الرمل المستطيل، أو من الحبلة: وهو ضرب من الحلي معروف، وقال صاحب «التلويح»: (وهذا كله تخيل ضعيف، بل هو بلا شك تصحيف من الكاتب)، والحبائل إنَّما تكون جمع: حبالة أو حبيلة، والجنابذ جمع: الجُنبُذ؛ بضم الجيم، وسكون النون، وبالموحدة المضمومة، وبالذال المعجمة: وهو ما ارتفع من الشيء واستدار؛ كالقبة، والعامة تقول: بفتح الموحدة، والأظهر أنه فارسي معرب.
قلت: هو في لسان العجم؛ كُنْبَذ؛ بضم الكاف: الصماء، وسكون النون، وفتح الموحدة: وهي القبة، كذا قرره إمام الشَّارحين.
(وإذا ترابها المسك)؛ أي: تراب الجنة رائحته كرائحة المسك، وأخرج الطبراني عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد؛ أقرئ أمتك السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، وأنها قيعان، وغراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، وفي الحديث: أنه ﵇ قال: «إن ريح الجنة يوجد من مسيرة خمس مئة عام، ولا يجد ريحها عاق»، قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ﴾: فإنَّهم أخف في الخدمة ﴿مُّخَلَّدُونَ﴾: دائمون على ما هم عليه من الشباب والفضاضة في الحسن، فإنَّهم لا يهرمون ولا يتغيرون، ويكونون على سن واحد على مر الأزمنة ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا﴾ [الإنسان: ١٩]: من صفاء ألوانهم، وانبثاثهم في مجالسهم، وانعكاس شعاع بعضهم إلى بعض، فإن المتفرق أحسن من المنظوم؛ ليظهر لمعانه وبريقه، عليهم ثياب الحرير الخضر ما رق منها وما غلظ، وفي الحديث: «أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه»، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة؛ مروا بشجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فيشربون من أحدهما، فترى عليهم نضرة النعيم، فلا تتغير أبشارهم، ولا تشعث شعورهم أبدًا، ثم يشربون من الآخر، فيخرج ما في بطونهم من الأذى؛ كالغل، والحسد، والقذر، والغش، ثم تستقبلهم خزنة الجنة، فيقولون لهم: سلام عليكم طبتم، فادخلوها خالدين، اللهم؛ اجعلنا منهم.
ويستنبط من الحديث أمور:
أحدها: أن جبريل ﵇ هو الذي كان ينزل على النبيِّ الأعظم ﷺ من عند الله وبأمره.
الثاني: أن فيه الاستئذان وبيان الأدب فيما إذا استأذن أحد بدق الباب ونحوه، فإذا قيل له: من أنت؟ يقول: زيد مثلًا، ولا تقول: أنا، إذ لا فائدة فيه؛ لبقاء الإبهام، كذا قالوا، قال إمام الشَّارحين: قلت: لكن لا يقتصر على قوله: زيد مثلًا؛ لأنَّ المسمى بزيد كثير، فيشتبه عليه، بل يذكر الشيء الذي هو مشهور به بين الناس.
الثالث: أن رسول الرجل يقوم مقام إذنه؛ لأنَّ الخازن لم يتوقف عن الفتح له على الوحي إليه بذلك، بل عمل بلازم الإرسال إليه.
الرابع: علم منه أن للسماء أبوابًا حقيقة، وحفظة موكلين بها.
الخامس: أنه علم أن رسول الله ﷺ من نسل إبراهيم؛ حيث قال: (والابن الصالح) بخلاف غيره من الأنبياء المذكورين فيه، فإنَّهم قالوا: (الأخ الصالح).
السادس: فيه جواز مدح الإنسان في وجهه إذا أمن عليه الإعجاب وغيره من أسباب الفتن.
السابع: أن فيه شفقة الوالد على ولده، وسروره بحسن حاله، وسوءه بسوء حاله.
الثامن: فيه أن أرواح بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء، وقد مضى الكلام فيه.
التاسع: فيه أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن الجنة في السماء.
العاشر: فيه استدل بعضهم على جواز تحلية المصحف وغيره بالذهب، ورده إمام الشَّارحين: بأنَّ هذا الاستدلال بعيد؛ لأنَّ ذلك إنَّما كان فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم كحكمنا، ويحتاج أيضًا إلى ثبوت كونهم مكلفين بما كلفنا به، ومع هذا كان هذا على أصل الإباحة، وتحريم النقدين كان بالمدينة.
الحادي عشر: فيه وجوب الصلوات الخمس، والباب معقود لهذا، وقال ابن بطال:

(^١) في الأصل: (السدرة)، ولعل المثبت هو الصواب.
(أجمعوا على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء)، وقال ابن إسحاق: (ثم إن جبريل ﵇ أتى الوادي، فهمز بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت فيه عين ماء مزن، فتوضأ جبريل ﵇، ومحمد ﵇ ينظر إليه، فرجع النبيُّ الأعظم ﷺ، فأخذ بيد خديجة ﵂، ثم أتى بها إلى العين، فتوضأ كما توضأ جبريل ﵇، ثم صلى هو وخديجة ركعتين كما صلى جبريل ﵇.
وقال نافع بن جبير: (أصبح النبيُّ الأعظم ﷺ ليلة الإسراء، فنزل جبريل ﵇ حين زاغت الشمس، فصلى به).
وقال جماعة: لم يكن صلاة مفروضة قبلها إلا ما كان أمر به من قيام الليل من غير تحديد ركعات، ووقت حضور، وكان يقوم أدنى من ثلثيه ونصفه وثلثه.
الثاني عشر: فيه أن أرواح المؤمنين يصعد بها إلى السماء.
الثالث عشر: فيه أن أعمال بني آدم الصالحة تسر آدم، وأعمالهم السيئة تسوءه.
الرابع عشر: فيه أنه يجب أن يرحب بكل أحد من الناس في حسن لقائه بإكرام النازل أن يلاقيه بأحسن صفاته وأعمها بجميل الثناء عليه.
الخامس عشر: فيه أن أوامر الله تعالى تكتب بأقلام شتى، وأن العلم ينبغي أن يكتب بأقلام كثيرة، تلك سنة الله في سماواته، فكيف بأرضه؟
السادس عشر: فيه أن ما قضاه وأحكمه (^١) من آثار معلومة، وآجال مكتوبة، وشبه ذلك مما لا يبدل لديه، وأما ما نسخه رفقًا بعباده؛ فهو الذي قال فيه: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقال إمام الشَّارحين:
فإن قلت: إنه ﵇ عرج به على دابة يقال لها: البراق، وثبت ذلك بالتواتر، فما الحكمة في ذلك، وكان الله تعالى قادرًا (^٢) على رفعه في طرفة عين بلا براق؟
قلت: إنَّما كان ذلك للتأنيس بالمعتاد، والقلب إلى ذلك أميل، وعرج به؛ لكرامة الراكب على غيره، ولذلك لم ينزل عنه على ما جاء في حديث حذيفة: (ما زال ظهر البراق حتى رجع)، وإنما لم يذكر في الرجوع؛ للعلم به؛ لقرينة الصعود، وسمي براقًا؛ لسرعته تشبيهًا ببرق السحاب، وكانت بغلته ﵇ بيضاء؛ أي: شهباء، فكذلك كان البراق، وفيه أسئلة:
الأول: كون البراق على شكل البغل دون الخيل مع أن الخيل أفضل وأحسن؟
والجواب: كان الركوب في السلم والأمن لا في الخوف والحرب؛ ولإسراعهِ عادة، ولتحقيق ثباته وصبره؛ فلهذا كان ﵇ يركب بغلته في الحرب في قصة حنين؛ لتحقيق ثباته في مواطن الحرب، وأما ركوب الملائكة الخيل؛ فلأنه المعهود بالخيل في الحروب، وما لطف من البغال واستدار أحسن من الخيل في الوجوه التي ذكرناها.
الثاني: استصحاب البراق لماذا كان؟
والجواب: إنه كان تيهًا وزهوًّا لركوبه ﵇، وقول جبريل ﵇: أبمحمد (^٣) تستصعب تحقيق الحال، وقد ارفضَّ عرقًا من تيه الجمال؟ وقد قيل: إنه ركبه الأنبياء قبله أيضًا، وقيل: إن جبريل ركب معه؛ لبعد عهده بالأنبياء ﵈، وطول الفترة بين عيسى ومحمد ﵉، وقيل: إن جبريل قال لمحمد ﵉ حين شمس به البراق: لعلك يا محمد مسست الصفراء اليوم -يعني: الذهب- فأخبره النبيُّ الأعظم ﷺ أنه ما مسها إلَّا أنه مر بها، فقال: «تبًّا لمن يعبدك من دون الله»، وما شمس إلَّا لذلك، ذكره السهيلي، وسمعت من بعض أستاذتي الكبار: أنه إنَّما شمس؛ ليعد له النبيُّ الأعظم ﷺ بالركوب عليه أولًا يوم القيامة، فلما وعد له؛ قر) انتهى كلام إمام الشَّارحين ﵁ وأرضاه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه، آمين.
[حديث: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين]
٣٥٠ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف): هو التنيسي المنزل الدمشقي الأصل، المتوفى سنة ثمان عشرة ومئتين، وفي يوسف تثليث السين المهملة مع الهمز، وتركه؛ ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه (قال: أخبرنا مالك): هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن صالح بن كَيسان)؛ بفتح الكاف: هو المدني التابعي، المتوفى وهو ابن مئة سنة ونيف وستين سنة، (عن عُرْوة)؛ بضم العين، وسكون الراء المهملتين (بن الزبير)؛ بضم الزاي، وفتح الموحدة: هو ابن العوام، (عن عائشة أم المؤمنين): هي الصديقة بنت الصديق ﵄، قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وهو من باب التشبيه البليغ، حذفت منه أداة التشبيه للمبالغة، ووجه الشبه: وجوب تعظيمهن وحرمة نكاحهن، قال تعالى: ﴿وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وهن فيما وراء ذلك كالأجانب، وليس المراد التشبيه في جميع أحكام الأمهات، ألا ترى أن النظر إليهن والخلوة بهن حرام، كما في الأجانب، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ولا يقال لبناتهنَّ: هن أخوات المؤمنين، ألا ترى أنه ﵇ زوج بناته لعلي وذي النورين ﵄، ولا يقال أيضًا لإخوتهنَّ وأخواتهن: أخوال المؤمنين وخالاتهم؛ لأنَّه قد تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر أخت أم المؤمنين عائشة ﵅، وهذا معنى ما روى مسروق: أن امرأة قالت لعائشة ﵂: يا أمه، فقالت: (لست لكِ بأمٍّ، إنَّما أنا أم رجالكنَّ)، فالمراد في معنى الآية: التشبيه في بعض الأحكام، وهو كونهن محرمات على الرجال؛ كحرمة أمهاتهم؛ يعني: حرمة مؤبدة.
(قالت) أي: عائشة: (فرض الله)؛ أي: قدر الله، والفرض في اللغة: التقدير، هكذا فسره أبو عمر (الصلاة)؛ أي: الرباعية، وذلك لأنَّ الثلاثية وتر صلاة النهار، وأشار إلى ذلك في رواية أحمد من حديث ابن إسحاق قال: حدثني صالح بن كيسان عن عروة... إلى آخره وفيه: (إلا المغرب، فإنها كانت ثلاثًا)، وذكر الداودي: (أن الصلوات زيدت ركعتان ركعتان، وزيدت في المغرب ركعة).
قلت: وفيه نظر؛ لما في رواية أحمد المذكورة آنفًا، فإنها صريحة في أن المغرب كانت ثلاثًا، ويدل عليه أيضًا ما في «سنن البيهقي» من حديث داود بن أبي هند، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قالت: (إن أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم النبيُّ الأعظم ﷺ المدينة واطمأن؛ زاد ركعتين غير المغرب، فإنها وتر صلاة الغداة)، قالت: (وكان إذا سافر صلى الصلاة الأولى)، كذا في «عمدة القاري».
(حين فرضها) قال ابن إسحاق: ثم إن جبريل أتى الوادي، فهمز بعقبه في ناحيته، فانفجرت

(^١) في الأصل: (ما قضا وأحكم)، ولعل المثبت هو الصواب.
(^٢) في الأصل: (قادر)، ولعل المثبت هو الصواب.
(^٣) في الأصل: (ألمحمد)، ولعل المثبت هو الصواب.

1 / 221