222

Aṣl al-zarārī sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī - makhṭūṭ

أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

فيه عين ماء مزن، فتوضأ جبريل والنبيُّ الأعظم ﷺ ينظر، فرجع ﵇ فأخذ بيد خديجة، ثم أتى بها العين فتوضأ، كما توضأ جبريل، ثم صلى هو وخديجة ركعتين كما صلى جبريل ﵉ (ركعتين ركعتين) بالتكرار؛ ليفيد عموم التثنية لكل صلاة؛ لأنَّ القاعدة في كلام العرب أن تكرر الاسم المراد تقسيم الشيء عليه، ولولاه؛ لكان فيه إيهام أن الفريضة في الحضر والسفر ما كانت إلا فرد ركعتين فقط، وانتصاب قوله: (ركعتين) على الحالية، والتكرار في الحقيقة عبارة عن كلمة واحدة؛ نحو: مثنى، ونظيره قولك: هذا مزٌّ؛ أي: قائم مقام الحلو والحامض (في الحضر والسفر) إلا المغرب، فإنها ثلاث، كما ذكرناه من رواية أحمد والبيهقي، (فأُقِرت صلاة السفر)؛ بضم الهمزة في (أقرت)، وكسر القاف؛ أي: بقيت على حالها ركعتين ركعتين، والضمير المرفوع في (أقر) يعود على النبيِّ الأعظم ﷺ؛ لأنَّه هو المشرع المقر لها على ذلك، وهو أمر منه ﵇، والأمر للوجوب، فاقتضى أن يكون القصر في السفر عزيمة؛ يعني: واجبًا، وهو مذهب رئيس المجتهدين الإمام الأعظم وأصحابه، والجمهور، وخالفهم الشافعي، فزعم أنه رخصة، وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا صلى المسافر أربعًا ولم يقعد على رأس الركعتين؛ فسدت صلاته عندنا؛ لاتصال النافلة قبل كمال أركانها، وإن قعد في آخر الركعة الثانية قدر التشهد؛ أجزأته وصحت وصارت الأخرييان له نافلة، لكنه يصير مسيئًا بتأخير السلام، وعنده: هو مخير، إن شاء؛ أتم، وإن شاء؛ اكتفى على القصر.
(وزيد في صلاة الحضر): يعني: زيد فيها حتى تكملت خمسًا، فتكون الزيادة في عدد الصلوات، ويكون قولها: (فرضت الصلاة ركعتين)؛ يعني: قبل الإسراء؛ لأنَّ الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل طلوعها، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، قاله أبو إسحاق الحربي، ويحيى بن سلام، وغيرهما.
قلت: ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]، وروى جابر بن عبد الله ﵁: عن النبيِّ الأعظم ﷺ أنه قال: «فإن استطعتم ألَّا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها؛ فافعلوا»، ثم قرأ هذه الآية، كذا في «تفسير» الإمام الفقيه أبي الليث ﵀، وهذا الحديث من مراسيل السيدة عائشة ﵂؛ لأنَّها لم تدرك القصة، ويحتمل أن تكون أخذت ذلك من النبيِّ الأعظم ﷺ، أو من صحابي آخر، وعلى كل حال؛ فهو حجة؛ لأنَّ هذا مما لا مجال للرأي فيه، وهو حجة قوية ومحجة مستقيمة لما ذهب إليه الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور: من أن القصر في السفر عزيمة لا رخصة، ويدل عليه ما رواه مسلم في «صحيحه» عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة).
ورواه الطبراني في «معجمه» بلفظ: (افترض رسول الله ﷺ ركعتين في السفر كما افترض في الحضر أربعًا)، ويدل عليه أيضًا ما رواه النسائي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم محمد ﷺ، ورواه أيضًا ابن حبان في «صحيحه»، ولم يقدحه في شيء.
وقول النسائي: (فيه انقطاع؛ لأنَّ ابن أبي ليلى لم يسمعه من عمر بن الخطاب): مردود؛ لأنَّ إمام هذه الصنعة مسلم بن الحجاج القشيري حكم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى من عمر ﵁، وصرح في بعض طرقه، فقال: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت عمر بن الخطاب؛ فذكره، ويؤيد ذلك: ما أخرجه أبو يعلى الموصلي في «مسنده» عن الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت: أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب...؛ فذكره، فهذا يدل على أن القصر في السفر عزيمة؛ أي: واجب، وإليه ذهب علماء أكثر السلف، وفقهاء الأمصار، وهو قول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة.
وقال حماد بن أبي سليمان: من صلى في السفر أربعًا؛ يعيد صلاته، وقال مالك: يعيد ما دام في الوقت، وقال أحمد: السنة ركعتان، وقال الخطابي: الأولى أن يقصر المسافر الصلاة؛ لأنَّهم أجمعوا على جوازها إذا قصر، واختلفوا فيها إذا أتم، والإجماع مقدم على الاختلاف، ويدل لما قاله الجمهور: ما في «البخاري» و«مسلم» عن حفص بن عاصم، عن ابن عمر ﵄ قال: صحبت رسول الله ﷺ في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى، وصحبت أبا بكر ﵁ في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عثمان بن عفان ﵁ في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
ولا يخفى أن المواظبة على ذلك تدل على الوجوب، فلهذا قال الجمهور: إن القصر في السفر واجب، وقال الشافعي: القصر في السفر رخصة، وهو رواية عن مالك وأحمد، وتعلق بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾؛ لأنَّ نفي الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر ينبئ عن تمام سابق، وبما أخرجه أبو داود بإسناده عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: إقصار الناس الصلاة اليوم، وإنما قال الله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فقد ذهب ذلك اليوم، فقال: عجبت مما عجبت منه، فذكرت ذلك للنبيِّ الأعظم ﷺ، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»، وأخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان؛ يعني: فالمفروض الأربع إلا أنه رخص بأداء ركعتين.
وبما أخرجه الدارقطني عن عمر بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة: (أن النبيَّ الأعظم ﷺ كان يقصر في
الصلاة، ويتم، ويفطر، ويصوم)، قال الدارقطني: (إسناده صحيح).
قلنا: وهذا كله لا حجة له فيه، وحجته من ذلك مردودة، أمَّا قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ..﴾؛ الآية؛ فلا يدل له؛ لأنَّ المراد من القصر المذكور في الآية هو قصر الأوصاف من ترك القيام إلى القعود، أو ترك الركوع والسجود إلى الإيماء؛ لخوف العدو؛ بدليل أنه تعالى علق ذلك بالخوف؛ إذ قصر الأصل غير متعلق بالخوف بالإجماع، بل متعلق بالسفر، وعندنا: قصر الأوصاف مباح لا واجب مع أن رفع الجناح في النص لرفع توهم النقصان في صلاتهم بسبب دوامهم على الإتمام في الحضر، وذلك مظنة توهم النقصان، فرفع ذلك عنهم، وبهذا فسر الآية ابن عباس حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن؛ حيث قال: المراد من القصر التخفيف في كيفيات أداء الركعات وهو أن يكتفى في الصلاة بالإيماء بدل الركوع والسجود، وبه قال طاووس وغيره.
وأمَّا قوله ﵇: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»؛ فلا دليل له فيه، بل هو حجة لما قاله إمامنا الإمام الأعظم والجمهور؛ لأنَّه ﵇ أمر بالقبول؛ ومعناه: اعتقدوه واعملوا به، فلا يبقى له خيار الرد شرعًا؛ لأنَّ الأمر منه ﵇ للوجوب، ومعنى قوله ﵇: «تصدق الله بها عليكم»: حكم عليكم؛ لأنَّ التصدق من الله فيما لا يحتمل التمليك يكون عبارة عن الإسقاط؛ كالعفو من الله تعالى؛ لأنَّ هذه الصدقة واجبة في الذمة، وليس لها حكم المال، فتكون إسقاطًا محضًا، فلا يرتد بالرد؛ كالصدقة بالقصاص، والطلاق، والعتاق يكون إسقاطًا لا يرتد بالرد، فكذا هذا.
وأمَّا حديث الدارقطني عن عائشة؛ فقد رواه البيهقي عن طلحة بن عمرو، ودلهم بن صالح، والمغيرة بن زياد، وثلاثتهم ضعفاء، عن عطاء، عن عائشة كما قاله البيهقي، وقال: والصحيح عن عائشة موقوف، ولا يخفى أنه معارض بما قدمناه عن حديث البخاري، ومسلم، وغيرهما، وهو لا يقاوم ما ذكر في «الصحيحين»، فلا دليل فيه له على أن الروايات عن عائشة متعارضة، والصحيح منها في ذكر في هذا «الجامع الصحيح»، ويجوز أنها كانت تنتقل من بيت بعض الأزواج إلى بيت بعض، فلم تكن مسافرة شرعًا، ولئن صح؛ فمحمول على إتمام الأركان، يدل عليه: أنه ﵇ صلى الظهر بأهل مكة عام حجة الوداع ركعتين، ثم أمر مناديًا ينادي: (يا أهل مكة؛ أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر)، فلو كان فرض المسافر أربعًا؛ لم يحرمهم فضيلة الجماعة معه ﵇، وقياسه على الصوم فاسد؛ لأنَّ ترك الشيء لا إلى بدل دليل الفعلية، وفيه بدل؛ وهو القضاء بالنص، فلا يلزمنا، ولأن جهة اليسر فيه مترددة غير متعينة في القصر؛ لما عرف في الأصول، فيخير وجهة اليسر متعينة في القصر، فلم يتوجه التخيير؛ فليحفظ.
وزعم ابن حجر أن معنى (فرضت الصلاة)؛ أي: ليلة الإسراء حين فرضت الصلوات الخمس فرضت ركعتين، ثم زيدت في صلاة الحضر بعد ذلك، فتكون الزيادة في عدد الركعات، وهذا هو المروي عن بعض رواة هذا الحديث عن عائشة، وممن رواه هكذا الحسن والشعبي، وأن الزيادة في الحضر كانت بعد الهجرة بعام أو نحوه، وقد ذكره البخاري من رواية معمر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: (فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبيُّ الأعظم ﷺ، ففرضت أربعًا)، فإن اختار المسافر أن يكون فرضه ركعتين؛ فله ذلك، وإن اختار أن يكون أربعًا؛ فله ذلك.
ويحتمل أن معنى قولها: (فرضت الصلاة): قدرت، ثم تركت صلاة السفر على هيئتها لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار.
قلت: وهذا كله ممنوع، ولا شيء من الحديث يدل عليه، بل معنى قولها: (فرضت الصلاة ركعتين): قبل الإسراء؛ لأنَّ الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس، وصلاة قبل طلوعها، وقد جاء ذلك بالنص؛ حيث قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]، فالزيادة إنَّما كانت في عدد الصلوات.
وقوله: (وهو المروي...) إلى آخره: قد علمت أن الروايات عن عائشة قد تعارضت، وقولها: (فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر ﵇، ففرضت أربعًا)؛ معناه: أنه يجوز ترك الركعتين الأخيريين، فلا بد يلزمه، ولا إثم يلحقه، وكان تطوعًا؛ كسائر التطوعات، وهذا معنى قولهم: إن الشفع الثاني لا يقضى، ولا يأثم بتركه.
وقوله: (فإن اختار...) إلى آخره: ممنوع، بل يتحتم على المسافر القصر؛ لما روي عن ابن عمر أنه قال: (صلاة المسافر ركعتان، وصلان الفجر ركعتان، فمن خالف السنة؛ فقد كفر)؛ يريد: كفران النعمة، ولما قدمناه من الأحاديث الدالة على وجوب القصر في السفر؛ فليحفظ.
وزعم ابن حجر أن الحنفية ألزموا على قاعدتهم فيما إذا تعارض رأي الصحابي روايته؛ فالعبرة بما رأى بأنه ثبت عن عائشة: أنها كانت تتم في السفر، ورده إمام الشَّارحين فقال: قاعدة الحنفية على أصلها، ولا يلزم من إتمام عائشة في السفر النقض على القاعدة؛ لأنَّ عائشة ترى القصر جائزًا، والإتمام جائزًا، فأخذت بأحد الجائزين، وإنما يرد على قاعدتنا ما ذكره أن لو كانت عائشة تمنع الإتمام؛ فافهم.
وكذلك الجواب في إتمام عثمان بن عفان، وقيل: لأنَّ عثمان إمام المؤمنين وعائشة أمهم، فكأنَّهما كانا في منازلهما، ورد: بأنه ﷺ كان أولى بذلك منهما، وقيل: لأنَّ عثمان تأهل بمكة، ورد: بأنه ﵇ سافر بأزواجه، وقصر الصلاة، وقيل: فعل ذلك من أجل الأعراب الذين حضروا معه ليلًا يظنون

1 / 222