238

Aṣl al-zarārī sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī - makhṭūṭ

أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

الفخذ منه لفخذه ﵇ لا يمكن كما يشاهد في حال الراكبين، ولو كان النبيُّ الأعظم ﷺ على حمار؛ لما أمكن مس ركبة أنس فخذه ﵇؛ لأنَّ الفرس أعلى من الحمار، فتعين أنه ﵇ كان يوم خيبر راكبًا (^١) على فرس، وأن أبا طلحة كذلك؛ فليحفظ.
(ثم حُسِر)؛ بضم الحاء، وكسر السين المهملتين على صيغة المجهول؛ أي: كشف (الإزار) بالرفع نائب فاعل (عن فخذه) متعلق بقوله: (حسر)، وذلك بسبب قوة جريه ﵇، أو بسبب كثرة الزحام، أو بسبب الريح، أو غير ذلك.
وزعم الكرماني أن في بعض الروايات: (على فخذه)؛ أي: الإزار الكائن على فخذه، فلا يتعلق بـ (حسر)، إلا أن يقال: حروف الجر يقام بعضها مقام الآخر، قال إمام الشَّارحين: إن صحت الرواية هذه؛ يكون متعلق (على) محذوفًا كما قاله؛ لأنَّه حينئذ لا يجوز أن يتعلق (على) بقوله: (حسر)؛ لفساد المعنى، ويجوز أن تكون (على) بمعنى (من)، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ [المطففين: ٢]؛ أي: من الناس؛ لأنَّ (على) تأتي لتسعة معان (^٢)؛ منها: أن تكون بمعنى (من)، انتهى.
(حتى إني أنظر): وفي رواية الكشميهني: (حتى إني لأنظر)؛ بزيادة لام التأكيد (إلى بياض فخذ نبيِّ الله ﷺ: وقد علمت أن لفظة (حُسِر) بالبناء للمجهول، وهو ثابت في أكثر الروايات، واعتمده إمام الشَّارحين قال: والدليل على صحة هذا ما وقع في رواية أحمد في «مسنده» من رواية إسماعيل ابن علية: (فانحسر)، وكذا وقع في رواية مسلم، وكذا رواه الطبري عن يعقوب بن إبراهيم شيخ البخاري في هذا الموضع، وروى الإسماعيلي هذا الحديث عن القاسم بن زكريا، عن يعقوب بن إبراهيم، ولفظه: (وأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر؛ إذ خر الإزار)، قال: ولا شك أن الخرور هنا بمعنى: الوقوع، فيكون لازمًا، وكذلك الانحسار في رواية مسلم، وهذا هو الأصوب؛ لأنَّه ﷺ لم يكشف إزاره عن فخذه قصدًا، وإنما انكشف عن فخذه؛ لأجل الزحام، أو كان ذلك من قوة إجرائه ﷺ، انتهى.
وفي رواية «الفرع»: (حَسر)؛ بفتح الحاء والسين المهملتين مبنيًّا للفاعل؛ أي: كشف الإزار، وزعم ابن حجر أنَّ هذا المعنى هو الصواب (^٣)؛ لقول أنس في أول الباب: (حسر النبيُّ ﷺ عن فخذه)، ولا يلزم من وقوعه، كذلك في رواية مسلم ألَّا يقع عند البخاري على خلافه، انتهى.
ورده إمام الشَّارحين فقال: اللائق بحاله الكريمة ﷺ ألَّا يثبت إليه كشف فخذه قصدًا مع ثبوت قوله ﷺ: «الفخذ عورة» على ما تقدم.
وقوله: (لا يلزم من وقوعه...) إلى آخره: منع هذه الملازمة ممنوعة، ولئن سلمنا؛ فيحتمل أن أنسًا ﵁ لما رأى فخذه ﵇ مكشوفًا؛ ظن أنه ﵇ كشفه، فأسند الفعل إليه، وفي نفس الأمر لم يكن ذلك إلا من أجل الزحام أو من قوة الجري على ما ذكرنا، انتهى.
قلت: على أن (حَسر) بالبناء للفاعل غير ظاهر الثبوت في الرواية، وإنما هو ظن وتخمين من ابن حجر أنه الصواب وليس بصواب كما ظن، فإن استدلاله بقول أنس أول الباب فاسد؛ لأنَّ البخاري علقه بذكر هذه القطعة من هذا الحديث، وذكره بالمعنى لا باللفظ، وأراد به الإشارة إلى أن الفخذ عورة أم لا؟ على أنه يحتمل معناه: حسر النبيُّ ﷺ عن فخذه؛ أي: الإزار بسبب أنه تعلق مع غيره من الركاب، فأراد تخليصه من فرس الراكب، فانحسر عن فخذه بغير قصد منه، ويحتمل غير ذلك، فلا دلالة في ذلك على ما ادعاه.
وقوله: (لا يلزم من وقوعه، كذلك في رواية مسلم...) إلى آخره: ممنوع، فإن الأحاديث تفسر بعضها بعضًا، لا سيما في حديث واحد وقصة واحدة، فإنه قد روي أيضًا هكذا عند أحمد في «مسنده»، وكذا رواه الطبري والإسماعيلي هكذا في هذا الحديث، فمنع الملازمة ممنوع، كما لا يخفى، وعليه؛ فيتعين أن يكون أنس رأى فخذه ﵇ مكشوفًا، فظن أنه ﵇ كشفه، فأسند الفعل إليه، والحال أنه لم يكن كذلك؛ بل من أجل الزحام، أو تعلقه بالغير من الركاب، أو غير ذلك، وهذا هو الصواب، كما لا يخفى على أولي الألباب.
(فلما دخل) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ وأصحابه (القرية)؛ أي: خيبر، وهذا مشعر بأن ذلك الزقاق كان خارج القرية، كذا في «عمدة القاري» (قال) ﵇: (الله أكبر خربت خيبر)؛ أي: صارت خرابًا، وهل كان ذلك على سبيل الخبرية؟ فيكون من باب الإخبار بالغيب، أو يكون ذلك على جهة الدعاء عليهم، أو على جهة التفاؤل بخرابها لما رآهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، وذلك من آلات الحراث، ويجوز أن يكون أخذ من اسمها، وقيل: إن الله تعالى أعلمه بذلك، قاله إمام الشَّارحين.
(إنَّا) أصله: (إننا)، فحذفت نون الضمير تخفيفًا (إذا نزلنا بساحة قوم): ساحة الدار: باحتها؛ بالحاء المهملة، والجمع: ساح وساحات، وسوح أيضًا؛ مثل: بدنة وبدن، وخشبة وخشب، كذا في «الصحاح»، قال إمام الشَّارحين: (وعلى هذا؛ فأصل «ساحة»: سوحة، قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وأصل الساحة: الفضاء بين المنازل، وتطلق على الناحية، والجهة، والفناء) انتهى.
قلت: ويدل عليه قول القرطبي: ومعنى بساحتهم؛ أي: بدارهم، كذا عن السدي وغيره، والساحة والسحسة في اللغة: فناء الدار، وقال الفراء: (نزل بساحتهم، ونزل بهم سواء) انتهى.
(﴿فَسَاءَ صَبَاحُ المُنذَرِينَ﴾) [الصافات: ١٧٧]؛ بفتح الذال المعجمة، (فساء): فعل ذم بمعنى: بئس، وإن المخصوص بالذم محذوف، وهو صباحهم؛ يعني: فبئس صباح المنذرين صباحهم، واللام في (المنذرين) للجنس لا للعهد؛ ليحصل به التفسير بعد الإبهام، فلو حملت على العهد؛ لا يحصل ذلك، فإن أفعال المدح والذم موضوعة للمدح العام والذم العام؛ أي: لمدح المخصوص وذمه بجميع محاسن جنس الفاعل وقبائحه، وذلك إنَّما يكون بكون الفاعل معرفًا بلام الجنس أو مضافًا إلى المعرف بها؛ نحو: نعم صباح القوم زيد، والصباح مستعار من صباح الجيش الذين ساروا ليلًا نحو العدو، فوصلوا ديارهم ومنازلهم وقت الصباح، فأوقعوا بهم ما شاؤوا من النهب والغارة، فصباح الجيش المذكور وقت غارتهم، فإن عادة المغيرين أن يغيروا صباحًا، فسمى الغارة صباحًا وإن وقعت في وقت آخر تسمية للشيء باسم زمانه ومحله، وهذا يدل على أن معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ [الصافات: ١٧٧]؛ يريد: النبيَّ الأعظم ﷺ، وقيل: إن معناه: نزول العذاب، فيكون استعارة تمثيلية؛ حيث شبه حال العذاب النازل بهم بعد ما أنذروا به فأنكروه

(^١) في الأصل: (راكب)، والمثبت هو الصواب.
(^٢) في الأصل: (معاني)، والمثبت هو الصواب.
(^٣) تكرر في الأصل: (الصواب).
بحال جيش أنذر بهجومه قومه بعض نصائحهم، فلم يلتفتوا إلى إنذاره حتى أناخ بفنائهم بغتة، فأغارهم وقطع دابرهم، فإن ذلك التعبير حقيقة في هذه الهيئة المشبه بها، فأطلق على الهيئة الأولى مجازًا على طريق التمثيل، انتهى.
(قالها)؛ أي: هذه الجملة ﵇ (ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرات، وإنما كررها إخبارًا منه لأصحابه أن النصرة لله ولرسوله ﵇ عليهم حقيقة، (قال)؛ أي: أنس بن مالك: (وخرج القوم إلى أعمالهم) أي: لأعمالهم التي كانوا يعملونها، فكلمة (إلى) بمعنى اللام، فإنها تأتي بمعنى اللام كثيرًا، قاله إمام الشَّارحين، وزعم الكرماني أن معناه: خرج القوم إلى مواضع أعمالهم، وتبعه البرماوي تعصبًا، وهذا المعنى قد رده إمام الشَّارحين ولم يرض به، ولا ريب أنه غير ظاهر؛ للفرق بين خروجهم إلى مواضع أعمالهم وبين خروجهم لأعمالهم، فإنَّهم قد يخرجون لمواضع أعمالهم ولا يعملون، ويخرجون لأعمالهم؛ أي: لأجل العمل، فالظاهر هو ما قاله إمام الشَّارحين يدل عليه قوله ﵇: «خربت خيبر»، وذلك بسبب أنه رآهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم وغير ذلك من آلات الحراث، ولا ريب أنه إذا كان هذا حالهم؛ فالغلبة عليهم، وهو ظاهر في أنَّهم خرجوا لأجل أعمالهم التي يعملونها؛ فليحفظ.
(فقالوا)؛ أي: أهل خيبر: (محمدٌ)؛ أي: جاء محمد، وارتفاعه على أنه فاعل لفعل محذوف، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا محمد ﵇، كذا في «عمدة القاري».
(قال عبد العزيز): هو ابن صهيب أحد رواة الحديث عن أنس: (وقال بعض أصحابنا): أشار بهذا إلى أنه لم يسمع هذه اللفظة من أنس، وإنما سمعها من بعض أصحابه عنه، وهذه رواية عن المجهول، إذ لم يعين هذا البعض منه، وزعم ابن حجر أنه يحتمل أن يكون هذا البعض هو محمد بن سيرين؛ لأنَّ المؤلف أخرج من طريقه أيضًا، ويحتمل أن يكون هذا البعض هو ثابت البناني؛ لأنَّ مسلمًا أخرجه من طريقه أيضًا، ورده إمام الشَّارحين فقال: (ويحتمل أن يكون هذا البعض غيرهما، وعلى كل حال؛ لا يخرج عن الجهالة) انتهى.
قلت: والاحتمالان اللذان (^١) ذكرهما ابن حجر ظن وتخمين، فإنه لا يلزم من كون المؤلف أخرج من طريق ابن سيرين أن يكون هو ذلك البعض؛ لأنَّ عادة المؤلف التعدد في الروايات والاختلاف في الطرق، ولا يلزم أيضًا من كون مسلم أخرج من طريق ثابت أن يكون هو ذلك البعض؛ لاحتمال أنَّ هذا الطريق غير طريق المؤلف، فالصواب أنَّ هذا البعض مجهول لم يعلم اسمه؛ فافهم.
(والخَميسُ)؛ بفتح الخاء المعجمة بالرفع عطفًا على قوله (محمد)، وبالنصب على أن تكون الواو بمعنى (مع)، فيكون المعنى: جاء محمد مع الجيش؛ (يعني)؛ أي: يريد ويقصد بقوله: (الخميس) (الجيش): وهذا المعنى يحتمل أن يكون تفسيرًا من عبد العزيز، ويحتمل أن يكون ممن دونه، وأشار عبد العزيز إلى أنه لم يسمع قوله: (والخميس) من أنس، وإنما سمعها من بعض أصحابه، كما سبق.
قال إمام الشَّارحين: (وسمي الجيش خميسًا؛ لأنَّه خمسة أقسام: مقدمة، وساقة، وقلب، وجناحان، ويقال: ميمنة، وميسرة، وقلب، وجناحان، وقال ابن سيده: (سمي به؛ لأنَّه يخمس ما وجده)، وقال الأزهري: الخمس إنَّما ثبت في الشرع، وكانت الجاهلية يسمونه بذلك ولم يكونوا يعرفون الخمس) انتهى.
ثم قال الشَّارح: (والحاصل: أن عبد العزيز قال: سمعت من أنس قالوا: محمد فقط، وقال بعض أصحابه: قالوا: محمد والخميس، ثم فسر عبد العزيز (الخميس) بقوله: (الجيش)، ويجوز أن يكون التفسير ممن دونه، وعلى كل حال؛ فهو مدرج) انتهى.
(قال)؛ أي: أنس: (فأصبناها) أي: خيبر؛ أي: أخذناها (عَنْوة)؛ بفتح العين المهملة، وسكون النون؛ أي: قهرًا، يقال: أخذته عنوة؛ أي: قهرًا، وقيل: أخذ عنوة؛ أي: عن غير طاعة، وقال ثعلب: (أخذت الشيء عنوة؛ أي: قهرًا في عنف واحد، وأخذته عنوة؛ أي: صلحًا في رفق)، وزعم ابن التين أنه يجوز أن يكون عن تسليم من أهلها وطاعة بلا قتال، ونقله عن القزاز في «جامعه»، قال إمام الشَّارحين: (وحينئذ يكون هذا اللفظ من الأضداد) انتهى.
قلت: وظاهر أنَّهم أصابوها قهرًا من غير إطاعة، بل بالقتال، يدل عليه قوله: (عنوة)؛ وهو القهر، وهو ضد الطاعة، ولهذا قال أبو عمرو: (الصحيح: في أرض خيبر كلها عنوة).
وقال المنذري: واختلف في فتح خيبر هل كانت عنوة، أو صلحًا، أو أجلى أهلها عنها بغير قتال، أو بعضها صلحًا وبعضها عنوة، وبعضها أجلى عنها أهلها؛ قال: والصحيح الثاني، قال إمام الشَّارحين: (وبهذا يندفع التضاد بين الآثار) انتهى.
(فجُمع) بضم الجيم مبنيًّا للمفعول (السبي)؛ أي: بأمر النبيِّ الأعظم ﷺ؛ وهو ما يؤخذ من الكفار، وسمي سبيًا؛ لأخذه قهرًا مجانًا، (فجاء دِحية)؛ بفتح الدال المهملة وكسرها، زاد ابن عساكر الكلبي: (هو دحية بن خليفة بن فروة الكلبي)، وكان أجمل الناس وجهًا، وكان جبريل ﵇ يأتي النبيَّ الأعظم ﷺ في صورته، وهو مدفون بقرية المزة غربي دمشق ﵁، (فقال: يا نبيَّ الله؛ أعطني جارية من السبي)؛ أي: من الغنيمة التي غنمتها المسلمون، فإن ولاية الإعطاء لك، (فقال) ﵇ له، وفي رواية: بدون الفاء: (اذهب)؛ أي: إلى المكان الذي جمع فيه السبي (فخذ جارية)؛ أي: منه، وإنما جاز للنبيِّ الأعظم ﷺ أن يأذن لدحية بأخذ جارية قبل القسمة.
وأجاب إمام الشَّارحين بثلاثة أجوبة:
الأول: يجوز أن يكون أذن له في أخذها على سبيل التفضيل له، إما من أصل الغنيمة أو من خمس الخمس، سواء كان قبل التمييز أو بعده.
الثاني: يجوز أن يكون أذن له من الخمس إذا ميز.
الثالث: يجوز أن يكون أذن له ليقوم عليه بعد ذلك، ويحسب من سهمه) انتهى.
وأجاب الكرماني: بأنه صفي المغنم لرسول الله ﷺ، فله أن يعطيه لمن شاء، ورده إمام الشَّارحين: (بأنَّ هذا الجواب غير مقنع؛ لأنَّه ﵇ قال له ذلك قبل أن يعين الصفي) انتهى.
قلت: ووجه فساد هذا الجواب ظاهر، كما لا يخفى؛ لأنَّه حين أذن له لم يكن علم ﵇ بما جمع كثيرًا أو قليلًا، وكم يخرج السهم وغير ذلك، وإنما الجواب ما

(^١) في الأصل: (الذين)، وليس بصحيح.

1 / 238