Aṣl al-zarārī sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī - makhṭūṭ
أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
قاله الشَّارح قدس سره، فذهب دحية (فأخذ صَفية)؛ بفتح الصاد المهملة، قيل: وكان اسمها زينب (بنت حُيَيٍّ)؛ بضم الحاء المهملة وكسرها، وفتح التحتية الأولى المخففة، وتشديد الثانية: ابن أخطب بن سَعْيَه -بفتح السين المهملة، وسكون العين المهملة، وفتح التحتية- ابن ثعلبة، وهي من بنات هارون أخ موسى ﵉، وأمها اسمها برة -بفتح الموحدة، وتشديد الراء- بنت سموءل، وكانت تحت كنانة بن الربيع بن أبي الحُقَيق -بضم الحاء المهملة، وفتح القاف الأولى- قتل يوم خيبر، توفت في خلافة سيدنا معاوية سنة خمسين، كما قاله الواقدي، وقال غيره: ماتت في خلافة علي الصديق الأصغر ﵁، سنة ست وثلاثين، ودفنت بالبقيع، كذا في «عمدة القاري».
(فجاء رجل): مجهول لم يعرف، قاله إمام الشَّارحين (إلى النبيِّ) الأعظم ﷺ؛ أي: إلى المكان الذي قاعد فيه، (فقال: يا نبيَّ الله؛ أعطيت دحية صفية بنت (^١) حيي سيدة قُرَيْظة)؛ بضم القاف، وفتح الراء، وسكون التحتية، وبالظاء المهملة (والنَضِير)؛ بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة؛ وهما قبيلتان عظيمتان من يهود خيبر، وقد دخلوا في العرب على نسبهم إلى هارون ﵇، كذا في «عمدة القاري»، فإنها (لا تصلح إلا لك): من حيث إنها من بيت النبوة، فإنها من ولد هارون أخي موسى ﵉، ومن بيت الرئاسة، فإنها من بيت سيد (^٢) قريظة والنضير مع ما كانت عليه من الجمال الباعث على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل، وإلى جمال الولد لا للشهوة النفسانية، فإنه ﵇ معصوم منها، قاله إمام الشَّارحين.
(قال) ﵇: (ادعوه) أي: دحية (بها) أي: بصفية، فدعوه، (فجاء بها) إلى المكان الذي فيه النبيُّ الأعظم ﷺ، (فلما نظر إليها النبيُّ) الأعظم ﷺ؛ أي: أعجبته من جمالها، وشرفها، وحسنها، ونسبها؛ (قال)؛ أي: لدحية: اترك صفية لي و(خذ جارية من السبي غيرها)؛ أي: غير صفية، فارتجعها منه، وهذا يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكون رد الجارية برضاه وأذن له في أخذ غيرها، والثاني: أنه إنَّما أذن له في جارية من حشو السبي لا في أخذ أفضلهن، ولما رأى أنه أخذ أنفسهن وأجودهن نسبًا، وشرفًا، وجمالًا؛ استرجعها؛ لئلا يتميز دحية بها على باقي الجيش مع أن فيهم من هو أفضل منه، فقطع هذه المفاسد وعوضه عنها، كذا في «عمدة القاري».
وفيه عن «سيرة الواقدي»: (أنه ﵇ أعطاه أخت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وكان كنانة زوج صفية، فكأنه ﵇ طيب خاطره لما استرجع منه صفية بأن أعطاه أخت زوجها) انتهى.
وفي «سيرة ابن سيد الناس»: (أنه أعطاه ابنتي عم صفية) انتهى.
وزعم الكرماني فإن قلت: لما وهبها من دحية؛ فكيف رجع عنها؟
قلت: إما لأنَّه لم يتم عقد الهبة بعد، وإما لأنَّه أبو المؤمنين وللوالد أن يرجع عن هبة الولد، وإما لأنَّه اشتراها منه، انتهى.
ورده إمام الشَّارحين فقال: أجاب بثلاثة أجوبة: الأول: فيه نظر؛ لأنَّه لم يجر عقد هبة حتى يقال: إنه رجع عنها، وإنما كان إعطاؤها إياه بوجه من الوجوه التي ذكرناها.
والثاني: فيه نظر أيضًا؛ لأنَّه لا يمشي ما ذكره في مذهب غيره؛ يعني: أنه ذكره ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، والحال أن الجمهور على خلافه، فلا يتمشى ما ذكره على مذهب الجمهور، والأوجه هي الثلاثة التي ذكرت عند قوله: (فخذ جارية).
والثالث: فيه نظر أيضًا؛ لأنَّه ذكر أنه اشتراها منه؛ أي: من دحية، والحال أنه لم يجر بينهما عقد بيع أولًا، فكيف اشتراها منه بعد ذلك؟
فإن قلت: وقع في رواية مسلم: (أن النبيَّ الأعظم ﷺ اشترى صفية منه بسبعة أرؤس).
قلت: إطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز؛ لأنَّه لما أخذها منه على الوجه الذي ذكرناه؛ عوضه عنها بسبعة أرؤس على سبيل التكرُّم والفضل، فأطلق الراوي الشراء عليه؛ لوجود معنى المبادلة فيه، انتهى.
وقال القاضي عياض: (الأولى عندي: أن صفية كانت فيئًا؛ لأنَّها كانت زوجة كنانة بن الربيع وهو وأهله من بني الحقيق كانوا صالحوا رسول الله ﷺ، وشرط عليهم ألَّا يكتموا كنزًا، فإن كتموه؛ فلا ذمة لهم، فانتقض عهدهم فسباهم، وصفية من سبيهم، فهي فيء لا يخمَّس، بل يفعل فيه الإمام ما رأى) انتهى.
ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا تفريع على مذهبه: أن الفيء لا يخمس، ومذهب غيره: أن الفيء يخمس) انتهى.
قلت: يعني: إنَّما ذكر هذا الوجه؛ لأجل ترويج مذهبه من أن الفيء لا يخمس، وهو خلاف ما عليه الجمهور من أن الفيء يخمس، على أن ما ذكره ممنوع؛ لأنَّ أنسًا ﵁ لم يذكر في هذه القصة أنه ﵇ صالحهم، ولا أنه شرط عليهم، ولا أنَّهم نقضوا العهد، وغاية ما فيه أنه ﵇ دعاهم إلى الإسلام فأبوا، فقاتلهم، ويدل عليه قول أنس: إن رسول الله ﷺ غزا خيبر...) إلى آخره، وهذا لا يدل على ما ذكره؛ فليحفظ، فالحق هو ما قاله إمام الشَّارحين، وهو الصواب.
(قال) أي: أنس: (فأعتقها) أي: صفية (النبيُّ) الأعظم ﷺ وتزوجها) بعد ذلك، (فقال له) أي: لأنس (ثابت): هو البناني التابعي: (يابا حمزة)؛ بالحاء المهملة والزاي، أصله: ياأبا حمزة، فحذفت الألف تخفيفًا، وهي كنية أنس ﵁، (ما أصدقها) ﵇؟ (قال)؛ أي: أنس: أصدقها (نفسها أعتقها)؛ أي: بغير عوض، (وتزوجها)؛ أي: بدون مهر، ففيه استحباب عتق السيد أمته وتزوجها، وقد صح أن له أجرين، كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري ﵁، واتفق ثابت البناني، وقتادة، وعبد العزيز بن صهيب عن أنس: (أنه ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها)، وبه قال قتادة في رواية، وأخذ بظاهره أحمد ابن حنبل، والحسن، وابن المسيب، ولا يجب لها مهر غيره، وتبعهم ابن حزم فقال: (هو سنة فاصلة، ونكاح صحيح، وصداق صحيح، فإن طلقها قبل الدخول؛ فهي حرة، ولا يرجع عليها بشيء، ولو أبت أن تتزوجه؛ بطل عتقها، وفي هذا خلاف متأخر ومتقدم).
وروى الحافظ الطحاوي عن أنس بن مالك: (أن رسول الله ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها)، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ثم قال: (فذهب
(^١) في الأصل: (بن)، وليس بصحيح.
(^٢) في الأصل: (سيدة)، وليس بصحيح.
قوم: إلى أن الرجل إذا أعتق أمته على أن عتقها صداقها؛ جاز ذلك، فإن تزوجت؛ فلا مهر لها غير العتاق)، قال إمام الشَّارحين في «عمدة القاري»: قلت: أراد بهؤلاء القوم: سعيد بن المسيِّب، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، والأوزاعي، والزهري، وعطاء بن أبي رباح، وطاووسًا، والحسن بن حي، وأحمد، وإسحاق، فإنَّهم قالوا: إذا أعتق الرجل أمته على أن يكون عتقها صداقها؛ جاز ذلك، فإذا عقد عليها؛ لا تستحق عليه مهرًا غير ذلك العتاق.
وممن قال بذلك: سفيان الثوري، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، وذكر الترمذي أنه قول الشافعي أيضًا، ونقل القاضي عياض عن الشافعي: أنها بالخيار إذا أعتقها، فإن امتنعت من تزويجه؛ فله عليها قيمتها؛ إذ لم يمكن الرجوع فيها، وإن تزوجت بالقيمة الواجبة له عليها؛ صح ذلك عنده.
وقال ابن بزيزة في «الأحكام»: هذه المسألة اختلف سلف الصحابة فيها، وكان ابن عمر ﵄ لا يراه، وقد روينا جوازه عن علي، وأنس، وابن مسعود، وروينا عن ابن سيرين: أنه استحب أن يجعل مع عتقها شيئًا ما كان، وصح مع كراهة ذلك أيضًا عن الحسن البصري، وجابر بن زيد، والنخعي، وغيرهم.
وقال النخعي: كانوا يكرهون أن يعتق الرجل جاريته لله، ثم يتزوجها، وجعلوه كالراكب بدنته، وذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، والإمام محمد بن الحسن، والإمام زفر بن الهذيل، والليث بن سعد، ومالك بن أنس، وابن شبرمة، وجابر بن زيد: أنه ليس لأحد غير النبيِّ الأعظم ﷺ أن يفعل فيتم النكاح بغير صداق، وإنما كان ذلك للنبيِّ الأعظم ﷺ خاصة؛ لأنَّ الله تعالى جعل له أن يتزوج بغير صداق، وكان له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق، فإن فعل هذا؛ وقع العتاق، ولها عليه مهر المثل، فإن أبت أن تتزوجه؛ تسعى له في قيمتها عند الإمام الأعظم ومحمد بن الحسن، وقال زفر ومالك: لا شيء له عليها، وفي «الأحكام» قال الإمام الأعظم، ومحمد بن الحسن، والشافعي: إن كرهت نكاحه؛ غرمت له قيمتها، ومضى النكاح، فإن كانت معسرة؛ استسعت في ذلك، وقال زفر ومالك: إن كرهت؛ فهي حرة، ولا شيء له عليها، إلا أن يقول: لا أعتق إلا على هذا الشرط، فإن كرهت؛ لم تعتق، فإنه من باب الشرط والمشروط.
قال إمام الشَّارحين: واستدل الحافظ أبو جعفر الطحاوي على الخصوصية بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ...﴾؛ الآية [الأحزاب: ٥٠]، ووجه الاستدلال أن الله تعالى لما أباح للنبيِّ الأعظم ﷺ أن يتزوج بغير صداق؛ كان له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق.
ومما يؤيد ذلك أن النبيَّ الأعظم ﷺ أخذ جويرية (^١) بنت الحارث في غزوة بني المصطلق فأعتقها، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، رواه الحافظ الطحاوي من حديث ابن عمر ﵄.
ثم روي عن عائشة ﵂ كيف كان عتاقه ﵇ جويرية التي تزوجها عليه وجعله صداقها، قالت: لما أصاب النبيُّ الأعظم ﷺ سبايا بني المصطلق؛ وقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له، فكاتبت على نفسها، قالت: (وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت نفسه، فأتت النبيَّ الأعظم ﷺ لتستعينه في كتابتها، فوالله ما هي إلا أن رأيتها على باب الحجرة وعرفت أنه سيرى منها مثل ما رأيت)، فقالت: يا رسول الله؛ أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من الأمر ما لم يخف عليك، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له فكاتبته فجئت رسول الله ﷺ أستعينه على كتابتي، فقال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أقضي عنك كتابتك وأتزوجك»، قلت: نعم، قال: «فقد فعلت»، وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية بنت الحارث، فقالوا: صهر رسول الله ﷺ، وأرسلوا ما في أيديهم، قالت: (فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة أهل بيت من بني المصطلق، فلا نعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها)، ورواه أبو داود أيضًا.
وفيه حكم يختص بالنبيِّ الأعظم ﷺ دون غيره، وهو أن يؤدي كتابة مكاتبة غيره لتعتق بذلك ويكون عتقه مهرها؛ لتكون زوجته، فهذا لا يجوز لأحد غير النبيِّ الأعظم ﷺ، وهذا إذا كان جائزًا للنبيِّ الأعظم ﷺ فجعل عتق الذي تولى عتقه هو مهر المرأة؛ أعتقه أولى وأحرى أن يجوز.
وقال البيهقي: قال القاضي عياض البرني: قال لي يحيى بن أكتم: هذا كان للنبيِّ الأعظم ﷺ خاصة، وكذا روي عن الإمام الأعظم ﵁ ومحمد بن إدريس أنه حمله على التخصيص، وموضع التخصيص أنه أعتقها مطلقًا، ثم تزوجها على غير مهر.
وقوله في الحديث (حُلوة)؛ بالضم من الحلاوة، وقوله: (مُلَّاحة)؛ بضم الميم، وتشديد اللام؛ معناه: شديدة الملاحة، وهو من أبنية المبالغة، وقال الزمخشري: (وكانت امرأة ملاحة بتخفيف اللام؛ أي: ذات ملاحة، وفعال مبالغة في فعيل نحو: كريم وكرام وكبير وكبار، وفعال بالتشديد أبلغ منه)، وقد ناقش ابن حزم في هذا الموضع، وملخصه أنه قال: (دعوى الخصوصية به ﵇ في هذا الموضع غير صحيحة والأحاديث التي ذكرت ههنا غير صحيحة).
قال الشَّارح: وقد ردينا عليه في جميع ذلك في «شرحنا لمعاني الآثار»، فمن أراد الوقوف عليه؛ فعليه بالمراجعة، انتهى.
قلت: وكلام ابن حزم غير معتبر أصلًا؛ لما أنه مشهور بالتعصب والتعنت فلا يلتفت إليه، لا سيما وقد دلت الآية الكريمة على الخصوصية قطعًا، وما ذكر هنا مطلق محمول على المقيد هناك، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا؛ فافهم، انتهى.
قلت: وما استدل به الحافظ الطحاوي من قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً﴾؛ الآية للخصوصية ظاهر، وصدر الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَاّتِي آتَيْتَ أَجُورَهُنَّ﴾؛ أي: مهورهنَّ، ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾، ثم قال: ﴿وَامْرَأَةً﴾؛ أي: أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها بغير صداق، فكان النكاح ينعقد في حقه بدون مهر، وكان ذلك من خصائصه ﵇ في النكاح؛ لقوله لك بالخطاب، ولقوله: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وهو كالزيادة على الأربع، ووجوب تخيير النساء كان من خصائصه أيضًا لا مشاركة لأحد معه فيه.
واختلف العلماء في أنه ﵇ هل كانت عنده امرأة من التي وهبت نفسها له؟ فقال عبد الله بن مسعود ومجاهد وغيرهما: (لم يكن عنده ﵇ امرأة وهبت نفسها له، ولم يكن عنده
(^١) في الأصل: (جويرة)، وكذا في المواضع اللاحقة، ولعله تحريف.
1 / 239