241

Aṣl al-zarārī sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī - makhṭūṭ

أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

أو لحاف، أو قناع).
وفي «المغيث»: (وقيل: اللفاع: النطع، وقيل: الكساء الغليظ).
وفي «الصحاح»: (لفع رأسه تلفيعًا: غطاه)، كذا في «عمدة القاري».
(في مروطهن) المروط: جمع مِرط؛ بكسر الميم، قال القزاز: (المرط: ملحفة يتزر بها، والجمع أمراط ومروط)، وقيل: يكون المرط كساء من خز، أو صوف، أو كتان.
وفي «الصحاح»: (المِرط بالكسر)، وفي «المحكم»: (وقيل: هو الثوب الأخضر)، وفي «مجمع الغرائب»: (أكيسة من شعر أسود)، وعن الخليل: (هي أكيسة معلمة)، وقال ابن الأعرابي: (هو الإزار).
وقال النضر بن شميل: (لا يكون المرط إلا درعًا، وهو من خز أخضر، ولا يسمى المرط إلا أخضر، ولا يلبسه إلا النساء).
وقال عبد الملك في «شرح الموطأ»: (هو كساء صوف رقيق خفيف مربع، كان (^١) النساء في ذلك الزمان يتزرن به ويتلففن)، كذا قاله الشَّارح.
(ثم يرجعن) يعني: يصلين مع النبيِّ الأعظم ﷺ صلاة الفجر، ثم يرجعن من المسجد (إلى بيوتهن)؛ أي: بيوت أزواجهن، فالإضافة فيه من حيث سكناهن في البيوت، ويحتمل أنه على الحقيقة، لكن الظاهر الأول؛ لأنَّ السكنى على الزوج شرعًا من جملة النفقة الواجبة عليه لها (ما يعرفهن أحد)؛ أي: من الغلس، كما عند المؤلف في (المواقيت) وفي «سنن ابن (^٢) ماجه»: (يعني من الغلس)، وعند مسلم: (ما يعرفن من الغلس)، وعدم معرفتهن يحتمل أن تكون لبقاء ظلمة من الليل، أو لتغطيتهن بالمروط غاية التغطي، وقيل: معناه ما يعرف أعيانهن، وهذا بعيد، والأوجه فيه أن يقال: ما يعرفهن أحد؛ أي: أنساء هن أم رجال؟ وإنما يظهر للرائي الأشباح خاصة، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: ووجه مطابقة الحديث للترجمة في قوله: (متلفعات في مروطهن)؛ لأنَّ المستفاد منه صلاتهن في مروط، والمرط: ثوب واحد، ففي الحديث أن المرأة إذا صلت في ثوب واحد بالالتفاع؛ جازت صلاتها، وهو الذي ترجم له؛ لأنَّه استدل به على ذلك.
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون التفاعهن في مروطهن فوق ثياب أخرى، فلا يتم له الاستدلال به؟
قلت: الحديث ساكت عن هذا بحسب الظاهر، ولكن الأصل عدم الزيادة على ما أشار إليه؛ على أنه لم يصرح بشيء، واختياره يؤخذ في عادته من الآثار التي يترجم بها، انتهى كلامه، وتبعه ابن حجر وغيره.
قلت: ولا ريب أن الأصل عدم الزيادة، والتفاعهن في مروطهن فوق ثياب أخرى قول بعيد؛ لأنَّه لم يكن عند النساء وكذا الرجال إلا ثوب واحد، يدل عليه حديث أبي هريرة الذي تقدم في باب (الصلاة في القميص)، وفيه: قام رجل إلى النبيِّ الأعظم ﷺ فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: «أَوَكلكم يجد ثوبين؟»؛ يعني: لا يجد كل واحد منكم ثوبين ونحوه عند الحافظ الطحاوي والطبراني، فهذا إخبار عما كان يعلمه ﵇ من حالهم في العدم وضيق الثياب؛ والمعنى: أنه ليس لكل واحد منكم ثوبان، وإذا كان هذا حال الرجال؛ فالنساء أولى، فهذا الحديث وإن كان ليس فيه تقييد بذلك لكن المعنى عليه، والمطلق محمول على المقيد، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا؛ فتأمل.
وفي «عمدة القاري»: واختلف في عدد ما تصلي فيه المرأة من الثياب؛ فقال الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس: (تصلي في درع وخمار).
وقال عطاء: (تصلي في ثلاثة: درع، وإزار، وخمار).
وقال ابن سيرين: (في أربعة؛ الثلاثة المذكورة وملحفة).
وقال ابن المنذر: (عليها أن تستر جميع بدنها إلا وجهها وكفيها، سواء سترته بثوب واحد أو أكثر).
ولا أحسب ما روي عن المتقدمين: من الأمر بثلاثة أو أربعة إلا من طريق الاستحباب.
وقال الإمام الأعظم وسفيان الثوري: (قدم المرأة ليست (^٣) بعورة، فإن صلت وقدمها مكشوفة؛ صحت صلاتها)، وفي رواية عن الإمام الأعظم: (فسدت صلاتها)، وزعم أبو بكر بن عبد الرحمن أن كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها، وهو رواية عن أحمد.
وقال مالك وابن إدريس: قدم المرأة عورة، فإن صلت وقدمها مكشوفة؛ أعادت في الوقت عند مالك، وكذلك إذا صلت وشعرها مكشوف، وعند ابن إدريس تعيد أبدًا) انتهى.
وفيه: أن في الحديث دلالة على جواز خروج النساء للصلاة في المسجد بشرط أمن الفتنة عليهن أو بهن، وكرهه بعضهم للشواب، وقال الإمام الأعظم: (تخرج العجائز لغير الظهر والعصر؛ يعني: لصلاة الفجر والعشاءين)، وقال الإمام أبو يوسف والإمام محمد بن الحسن: (يخرجن لجميع الصلوات، لكن اليوم يكره خروجهن للجميع للعجائز والشواب؛ لظهور الفساد وعموم الفتنة) انتهى.
قلت: ولو نظر الإمام الأعظم ما يترتب على خروجهن من الفساد والفتنة؛ لقال: بحرمة خروجهن مطلقًا، فإن الذي يشاهد منهن في ديارنا الشريفة الشامية؛ يوجب القول بالحرمة والمنع من خروجهن مطلقًا؛ فافهم.
واستدل بهذا الحديث مالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد ابن حنبل، وإسحاق على أن الأفضل في صلاة الصبح التغليس، ولا حجة لهم فيه؛ لأنَّه ﵇ فعل ذلك مرة، ثم صار يصليها في وقت الإسفار، كما يأتي.
وقال الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وأصحابه، والجمهور من التابعين، وغيرهم: (إن الأفضل في صلاة الفجر الإسفار)، واستدل على ذلك بأحاديث كثيرة في هذا الباب رويت عن جماعة من الصحابة ﵃؛ منهم: رافع بن خديج، روى أبو داود عن محمود بن لبيد عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أصبحوا بالصبح؛ فإنه أعظم لأجركم، أو أعظم للأجر»، ورواه الترمذي أيضًا، وقال: (حديث حسن صحيح)، ورواه ابن ماجه والنسائي أيضًا، وفي رواية: (أصبحوا بالفجر)؛ ومعناه: نوروا بصلاة الفجر، ورواه ابن حبان في «صحيحه»، ولفظه: «أسفروا بصلاة الصبح؛ فإنه أعظم للأجر»، وفي لفظ له: «فكلما أصبحتم بالصبح؛ فإنه أعظم لأجركم»، وفي لفظ للطبراني: «فكلما أسفرتم بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر».
ومنهم: محمود بن لبيد روى حديثه الإمام أحمد ابن حنبل في «مسنده» عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أصبحوا بالفجر؛ فإنه أعظم لأجركم»، ولم يذكر فيه رافع بن خديج، ومحمود بن لبيد صحابي مشهور.
وقال المزي: (محمود بن لبيد بن عصمة بن رافع بن امرئ القيس الأوسي، ولد على عهد رسول الله ﷺ، وفي صحبته خلاف) انتهى.
قال إمام الشَّارحين: (ذكره مسلم في التابعين في الطبقة الثانية، وذكر ابن أبي حاتم: أن البخاري قال: له صحبة، وقال أبي: لا يعرف له صحبة، وقال أبو عمرو: قول البخاري: «له صحبة»: أولى وأجدر، فعلى هذا؛ يحتمل

(^١) في الأصل: (كن)، ولعل المثبت هو الصواب.
(^٢) في الأصل: (أبي)، ولعله تحريف.
(^٣) في الأصل: (ليس).
أنه سمع هذا الحديث من رافع أولًا فرواه عنه، ثم سمعه من النبيِّ الأعظم ﷺ فرواه عنه) انتهى.
قلت: وعلى فرض كونه أسقط رافعًا (^١)؛ فهو مرسل، وهو حجة عندنا والجمهور، لكن الظاهر أنه رواه مرتين كما قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.
ومنهم: بلال ﵁، روى حديثه البزار في «مسنده» نحو حديث رافع، ومنهم: قتادة بن النعمان، روى حديثه الطبراني في «معجمه» من حديث عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، عن أبيه، عن جده مرفوعًا نحوه، ورواه البزار أيضًا، ومنهم: ابن مسعود ﵁، روى حديثه الطبراني أيضًا عنه مرفوعًا نحوه، ومنهم: أبو هريرة ﵁، روى حديثه ابن حبان عنه مرفوعًا نحوه، ومنهم رجال من الأنصار أخرج حديثهم النسائي من حديث محمود بن لبيد عن رجال من قومه من الأنصار: أن النبيِّ الأعظم ﷺ قال: «أسفروا بالصبح؛ فإنه أعظم للأجر»، ومنهم أبو هريرة وابن عباس ﵁، أخرج حديثهما الطبراني من حديث حفص بن سليمان عن ابن عباس وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال أمتي على الفطرة ما أسفروا بالفجر»، ومنهم: أبو الدرداء ﵁، أخرج حديثه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبيد من حديث أبي الزاهرية، عن أبي الدرداء، عن النبيِّ الأعظم ﷺ قال: «أسفروا بالفجر تفقهوا»، ومنهم: حواء الأنصارية، أخرج حديثها الطبراني من حديث أبي بجيد الحارثي عن جدته حواء الأنصارية، وكانت من المبايعات، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر»، وابن بُجَيْد؛ بضم الموحدة، وفتح الجيم، بعدها تحتية ساكنة، ذكره ابن حبان في «الثقات»، وجدته حواء بنت زيد بن السكن، أخت أسماء بنت زيد بن السكن.
فإن قلت: كان ينبغي أن يكون الإسفار واجبًا لمقتضى الأوامر فيه.
قلت: الأمر إنَّما يدل على الوجوب إذا كان مطلقًا مجردًا عن القرائن الصارفة له إلى غيره، وهذه الأوامر ليست كذلك، فلا يدل إلا على الاستحباب.
فإن قلت: قد يؤول (الإسفار) في هذه الأحاديث بظهور الفجر، وقد قال الترمذي: وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: معنى الإسفار: أن يصبح الفجر، ولم يشك فيه، ولم يروا أن الإسفار تأخير الصلاة.
قلت: هذا التأويل غير صحيح، فإن الغلس الذي يقولون به: هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار، كما ذكره أهل اللغة، وقيل: ظهور الفجر، ولا تصح صلاة الصبح، فثبت أن المراد بالإسفار: إنَّما هو التنوير، وهو التأخير عن الغلس، وزوال الظلمة، وأيضًا فقوله ﵇: «أعظم للأجر»: يقتضي حصول الأجر في الصلاة بالغلس، فلو كان الإسفار هو وضوح الفجر وظهوره؛ لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت.
وأيضًا يبطل تأويلهم ذلك ما رواه ابن أبي شيبة، وإسحاق ابن راهويه، وأبو داود الطيالسي في «مسانيدهم»، والطبراني في «معجمه» من حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ لبلال: «يا بلال؛ نور صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع ليلهم من الإسفار».
وأيضًا يبطل تأويلهم ذلك ما رواه الإمام أبو محمد القاسم بن ثابت السرقسطي في كتاب «غريب الحديث» من حديث أبي سعيد بيان قال: سمعت أنس بن مالك يقول: (كان رسول الله ﷺ يصلي الصبح حين يفسح البصر) انتهى.
يقال: فسح البصر وانفسح؛ إذا رأى الشيء عن بعد؛ يعني به: إسفار الصبح.
فإن قلت: قيل: إن الأمر بالإسفار إنَّما جاء في الليالي المقمرة؛ لأنَّ الصبح لا يتبين فيها جدًّا، فأمرهم بزيادة التبيين؛ استظهارًا باليقين في الصلاة.
قلت: هذا تخصيص بلا مخصص، وهو باطل، ويرده أيضًا ما أخرجه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال: (ما اجتمع أصحاب محمد ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر)، وأخرجه الحافظ الطحاوي أيضًا في «معاني الآثار» بسند صحيح، ثم قال: (ولا يصح أن يجتمعوا على خلاف ما كان رسول الله ﵇ عليه).
فإن قلت: قد زعم ابن حزم أن خبر الأمر بالإسفار صحيح، إلا أنه لا حجة فيه للحنفية إذا أضيف إلى الثابت من فعله ﵇ في التغليس حتى إنه لينصرف والنساء لا يعرفن.
قلت: الثابت من فعله ﵇ في التغليس لا يدل على الأفضلية؛ لأنَّه يجوز أن يكون غيره أفضل منه، وإنما فعل ذلك للتوسعة على أمته، بخلاف الخبر الذي فيه الأمر؛ لأنَّ قوله ﵇: «أعظم للأجر»: أفعل التفضيل، فيقتضي أجرين؛ أحدهما: أكمل من الآخر؛ لأنَّ صيغة (أفعل) تقتضي المشاركة في الأصل مع رجحان أحد الطرفين، فحينئذٍ يقتضي هذا الكلام حصول الأجر في الصلاة بالغلس، ولكن حصوله في الإسفار أعظم وأكمل منه، فلو كان الإسفار لأجل تقصي طلوع الفجر؛ لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت، انتهى.
قلت: وما زعمه ابن حزم تناقض؛ لأنَّه قال: (خبر الأمر بالإسفار صحيح إلا أنه لا حجة فيه...) إلى آخره، وما هذا إلا تناقض، فإن قوله: (خبر الأمر بالإسفار صحيح) وهو كذلك، ويلزم منه أن يكون حجة للحنفية؛ لأنَّهم يقولون: إن الأفضل في صلاة الفجر الإسفار، وقد صح الحديث به، فهو حجة لهم.
وقوله: (إلا أنه لا حجة فيه...) إلى آخره: ممنوع، فإنه متى صح الأمر؛ يكون حجة لمن قال بذلك، وقوله: (إذا أضيف...) إلى آخره: ممنوع، فإنه قد ثبت ذلك في بعض الأحيان وهو لا يقاوم ما كان عادة للنبيِّ ﷺ وأصحابه، يدل عليه ما أخرجه الحافظ أبو جعفر الطحاوي من حديث إبراهيم النخعي قال: (ما اجتمع أصحاب محمد ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر)، وسنده صحيح، فهذا يدل على أن عادتهم في صلاة الفجر الإسفار.
ولا ريب أن ذلك هو ما فعله النبيُّ الأعظم ﷺ؛ لأنَّهم أشد اتباعًا له ﵇، فثبت أن التغليس إنَّما كان في بعض الأحيان، وهو محمول على بيان الجواز لأجل التشريع، وثبت أن الأفضل في صلاة الصبح الإسفار، وأنه الثابت من فعله ﵇ على الدوام

(^١) في الأصل: (رافع)، ولعل المثبت هو الصواب.

1 / 241