242

Aṣl al-zarārī sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī - makhṭūṭ

أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

والاستمرار؛ فافهم.
فإن قلت: روى أبو داود من حديث ابن مسعود: (أنه ﵇ صلى الصبح بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس حتى مات ﵇، ورواه ابن حبان أيضًا؛ كلاهما من حديث أسامة بن زيد الليثي.
قلت: يرد هذا ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه يجمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها) انتهى.
قالت العلماء: المراد بقوله: (قبل وقتها)؛ يعني: وقتها المعتاد في كل يوم؛ وهو الإسفار لا أنه صلاها قبل الفجر وإنما غلس بها، ويوضحه رواية البخاري: (والفجر حين تبزغ (^١»، وهذا دليل على أنه ﵇ كان يسفر بالفجر دائمًا، وقلما صلاها بغلس؛ لأنَّ قوله: (قبل وقتها المعتاد) يدل على أن وقت صلاة الفجر المعتاد له ﵇ هو وقت الإسفار دائمًا أبدًا، على أن أسامة بن زيد قد تكلم فيه، فقال أحمد ابن حنبل: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه، وقال النسائي والدارقطني: حديثه ليس بالقوي، انتهى.
قلت: وعلى هذا؛ فحديثه ضعيف لا يحتج به، وهو لا يُقاومما ذكره البخاري ومسلم؛ فليحفظ.
فإن قلت: قد قال البيهقي: رجح الشافعي حديث عائشة بأنه أشبه بكتاب الله تعالى؛ لأنَّه تعالى يقول: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فإذا دخل الوقت؛ فأولى المصلين بالمحافظة المقدم للصلاة، وأنه ﵇ لا يأمر بأن يصلى في وقت يصليها هو في غيره، وهذا أشبه بسنته ﵇.
قلت: المراد من المحافظة هو المداومة على إقامة الصلوات في أوقاتها، وليس فيها دليل على أن أول الوقت أفضل، بل الآية دليل لنا؛ لأنَّ الذي يسفر بالفجر يترقب الإسفار من أول الوقت، فيكون هو المحافظ المداوم على الصلاة، ولأنه ربما تقع صلاته في التغليس قبل الفجر، فلا يكون محافظًا للصلاة في وقتها.
فإن قلت: جاء في الحديث: «أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله»، وهو لا يؤثر على رضوان الله شيئًا، والعفو لا يكون إلا عن تقصير.
قلت: المراد من العفو: الفضل، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]؛ أي: الفضل، فكان معنى الحديث: أن من أدَّى الصلاة أول الوقت؛ فقد نال رضوان الله، وأمن من سخطه وعذابه؛ لامتثاله أمره وأداءه ما وجب عليه، ومن أدى الصلاة في آخر الوقت؛ فقد نال فضل الله، ونيل فضل الله لا يكون بدون الرضوان.
قلت: فالفضل ملازم للرضوان على أن أداء الصلاة في آخر وقتها ليس تقصيرًا؛ لأنَّه قد أمر بالمحافظة وهي المداومة، وقد فعل ما أمر به وأدى ما وجب عليه، فأين التقصير الذي فعله؟
فإن قلت: جاء في الحديث: وسئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: «الصلاة في أول وقتها»، وهو لا يدع موضع الفضل ولا يأمر الناس إلا به.
قلت: ذكر الأول للحث والتخصيص والتأكيد على إقامة الصلوات في أوقاتها، وإلا؛ فالذي لا يؤدي في ثاني الوقت أو ثالثه أو رابعه كالذي يؤديها في أوله؛ لأنَّ الجزء الأول له مزية على الجزء الثاني أو الثالث أو الرابع.
وحاصل المعنى: الصلاة في وقتها أفضل الأعمال، ثم يتميز الجزء الثاني في صلاة الصبح عن الجزء الأول بالأمر الذي فيه الإسفار الذي يقتضي التأخير عن الجزء الأول.
فإن قلت: قال البيهقي: قال الشافعي: وحديث رافع له وجه يوافق حديث عائشة ولا يخالفه، وذلك أنه ﵇ لما حض الناس على تقديم الصلاة وأخبر بالفضل فيه؛ احتمل أن يكون من الراغبين (^٢) من تقدمها قبل الفجر الآخر، فقال: «أسفروا بالفجر حتى يتبين الفجر الآخر» معترضًا، فأراد ﵇ فيما يرى الخروج من الشك حتى يصلي المصلي بعد تبين الفجر، فأمرهم بالإسفار؛ أي: بالتبيين.
قلت: يرد هذا التأويل وبيطله ما رواه أبو داود الطيالسي عن رافع قال: قال رسول الله ﷺ لبلال: «يا بلال؛ نور صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواضع نبلهم من الإسفار»، وقد مر عن قريب.
قلت: وكان الشافعي أراد بهذا الكلام التوفيق بين الحديثين (^٣)، ولا يخفى أن كلامه باطل غير صحيح؛ لأنَّ التضاد واقع بينهما، وقوله: (إنه ﵇ لما حض...) إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّه ﵇ لا يأمر ولا يحض على تقديم الصلاة عن وقتها، يدل عليه ما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير وقتها...)؛ الحديث وقد مر، ولا ريب أنه إذا كان كذلك لا يأمر الناس بعدمه، كما لا يخفى.
وقوله: (احتمل أن يكون...) إلى آخره: ممنوع أيضًا، فإنه ليس في أحاديث الإسفار والتغليس ذكر الفجر الآخر وهو الصادق، ومعلوم أن الصلاة إنَّما تجب عند دخول وقتها وهو ظهور الفجر الصادق في صلاة الفجر، وأما الفجر الكاذب؛ فإنه يكون قبل دخول الوقت، فهو لا عبرة به، ولهذا بينه ﵇ في أحاديث غيرها، ولما كان لا عبرة به هنا؛ لم يتعرض له ﵇ هنا؛ لأنَّ المراد من الإسفار بعد دخول الوقت والفجر الكاذب لا يقال له الفجر الصادق، وشتان بين الصادق والكاذب.
وقوله: (فأراد ﵇...) إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّه ﵇ قد بين الأوقات، والصلاة إنَّما تجب بدخول وقتها وهو ليس فيه شك، ومن شروط الصلاة: اعتقاد دخول الوقت، والإسفار؛ معناه: التنوير كما فسره ﵇ بقوله: «نور صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواضع نبلهم»، وهذا لا يكون في أول دخول وقت الفجر، بل في آخره، كما لا يخفى، فكلامه غير ظاهر؛ فافهم.
وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس، وإنَّهم -أي: الصحابة- كانوا يدخلون مغلسين ويخرجون مسفرين، واعترضه ابن حازم في كتاب «الناسخ والمنسوخ»، فزعم أنه ليس الأمر كما ذهب إليه؛ لأنَّ حديث التغليس ثابت، وأنه ﵇ داوم عليه حتى فارق الدنيا.
قال إمام الشَّارحين: يرد هذا ما رويناه من حديث ابن مسعود الذي أخرجه البخاري ومسلم؛ يعني: من قوله: (ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه يجمع بين المغرب والعشاء، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها؛ يعني: المعتاد في كل يوم، وهو في وقت الإسفار).
ويدل عليه رواية

(^١) في الأصل: (ترع)، ولعله تحريف.
(^٢) في الأصل: (الراعين)، ولعله تحريف.
(^٣) في الأصل: (الحدثين)، ولعل المثبت هو الصواب.
البخاري: (والفجرحين ترع)، وهذا دليل على أنه ﵇ كان يسفر بالفجر دائمًا أبدًا، وحديث التغليس ضعيف لا يحتج به، كما قاله الحفاظ، والأمر هو ما ذكره الحافظ الطحاوي، ويدل عليه اتفاق الصحابة ﵃ بعد النبيِّ الأعظم ﷺ على الإسفار بالصبح؛ لما رواه الحافظ الطحاوي بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال: (ما اجتمع أصحاب محمد ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر)، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة، فهذا دليل واضح على نسخ حديث التغليس؛ لأنَّ إبراهيم أخبر أنَّهم كانوا -أي: الصحابة- اجتمعوا على ذلك، فلا يجوز عندنا اجتماعهم على خلاف ما قد فعله النبيُّ الأعظم ﷺ إلا بعد نسخ ذلك وثبوت خلافه، والعجب من بعض شراح «البخاري» أنه يقول: ووهم الحافظ الطحاوي حيث ادعى أن حديث: «أسفروا» ناسخ لحديث التغليس، وليس الواهم إلا هو، ولو كان عنده إدراك مدارك المعاني؛ لما اجترأ على مثل هذا الكلام، انتهى كلام الشَّارح.
قلت: وأراد بهذا البعض: ابن حجر، ولا يتعجب منه؛ لأنَّه مشهور بالتعصب، والتعنت، والعناد، وعدم الإنصاف، وما قال هذا الكلام إلا من عدم وقوفه ومعرفته بحديث إبراهيم النخعي وحديث ابن مسعود، الذي روى الأول ابن أبي شيبة والحافظ الطحاوي، والثاني: البخاري ومسلم، وما قال ذلك إلا ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، ولعدم معرفته بمعاني الكلام قال ما قال، فالوهم محيط به، ولله در مؤلف «إيضاح المرام فيما وقع في الفتح من الأوهام»، فإنه قد أودع فيه أبحاثًا (^١) رائقة، ونفحات فائقة، وأظهر الأوهام التي وقع فيها ابن حجر الذي تصدر لشرح «البخاري»، وليس الشرح في الحقيقة له، وإنما هو لمن نقل عنه، وهو الشيخ قطب الدين الحلبي، فإنه حين كان ابن حجر في حلب؛ أخذ شرحه واستنسخه ونسبه لنفسه، والله تعالى أعلم.
(١٤) [باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها]
هذا (بابٌ)؛ بالتنوين، يذكر فيه: (إذا صلى)؛ أي: الشخص سواء كان رجلًا أو امرأةً، وسواء كانت الصلاة فرضًا، أو واجبًا، أو نفلًا (في ثوب) أي: وهو لابس ثوبًا (له أعلام): جمع عَلَم؛ بفتح العين المهملة واللام، (ونظر) أي: المصلي وهو في صلاته (إلى عَلَمها)؛ بفتح العين واللام، وجواب (إذا) محذوف؛ تقديره: هل يكره له ذلك أم لا؟ قال الكرماني: (والتأنيث فيه باعتبار الخميصة) انتهى.
ونقله عنه ابن حجر بالعكس، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: فقد وهم ابن حجر، فاختلط عليه النقل، فكيف بذكر المعنى؛ فافهم.
[حديث: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم]
٣٧٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أحمد ابن يونس): نسبه إلى جده؛ لشهرته به، وإنما هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي التميمي الكوفي (قال: حدثنا إبراهيم بن سعد)؛ بسكون العين المهملة: هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني (قال: حدثنا ابن شهاب) وفي رواية ابن عساكر: (عن ابن شهاب): هو محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري، (عن عُرْوة)؛ بضم أوله، وسكون ثانيه المهملين: هو ابن الزُّبير -بضم الزاي- ابن العوام؛ بتشديد الواو، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر ﵄: (أن النبيَّ) الأعظم ﷺ صلى)؛ أي: صلاة الفرض بأصحابه جماعة في مسجده النبوي (في خَمِيصة)؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم، وبالصاد المهملة: وهي كساء أسود مربع، له أعلام أو علمان، وتكون من خز أو صوف، ولا تسمى خميصة إلا إذا كانت سوداء معلمة، وسميت بذلك؛ للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت، مأخوذة من الخمص؛ وهو ضمور البطن، وزعم ابن حبيب في «شرح الموطأ» أنها كساء صوف، أو مرعزي معلم الصنعة، كذا في «عمدة القاري».
(لها أعلام): جمع عَلَم؛ بفتحتين، والجملة اسمية محلها الجر؛ لأنَّها صفة لـ (خميصة)، (فنظر) أي: النبيُّ الأعظم ﷺ (إلى أعلامها) وهو في صلاته (نظرة)؛ أي: واحدة، (فلما انصرف)؛ أي فرغ من صلاته واستقبال القبلة؛ استقبل أصحابه وانتزع خميصته (قال) جواب (لما) لهم: (اذهبوا بخميصتي هذه) أي: التي صلى فيها (إلى أبي جَهْم)؛ بفتح الجيم، وسكون الهاء: هو عامر بن حذيفة العدوي القرشي المدني الصحابي، وقيل: اسمه عبيد، أسلم يوم الفتح، وكان معظمًا في قريش، وعالمًا بالنسب، شهد بنيان الكعبة مرتين، وتوفي في آخر خلافة معاوية ﵁، وهو غير أبي الجهيم المصغر المذكور في (المرور)، كذا في «عمدة القاري».
وفيه: فإن قلت: ما وجه تعيين أبي جهم في الإرسال إليه؟
قلت: لأنَّ أبا جهم هو الذي أهداها له ﷺ، فلذلك ردها عليه، وروى الحافظ أبو جعفر الطحاوي عن عائشة ﵂ قالت: «أهدى أبو جهم إلى النبيِّ الأعظم ﷺ خميصة شامية، لها علم، فشهد فيها النبيُّ الأعظم ﷺ الصلاة، فلما انصرف؛ قال: «ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم، فإنها كادت تفتني» انتهى.
(وأتوني بأنبجانية أبي جهم) قال إمام الشَّارحين: اختلفوا في ضبط هذه اللفظة ومعناها؛ فقيل: بفتح الهمزة، وسكون النون، وكسر الموحدة، وتخفيف الجيم، وبعد النون ياء النسبة، وقال ثعلب: يقال: كبش أنبَِجاني -بكسر الموحدة وفتحها-؛ إذا كان ملتصقًا كثير الصوف، وكساء أنبجاني كذلك، وقال الجوهري: إذا نسبت إلى منبَج؛ فتحت الباء الموحدة، وقلت: كساء منبَجاني، أخرجوه مخرج مخبراني ومنظراني، وقال أبو حاتم: لا يقال: كساء أنبجاني، وهذا مما يخطئ فيه العامة، وإنما يقال: مَنبَجاني؛ بفتح الميم والباء، قال: وقلت للأصمعي: لم فتحت الباء، وإنما نسب إلى منبِج بالكسر؟ قال: خرج مخرج منظراني ومخبراني، قال: والنسب مما يغير البناء، وقال القزاز: والنباج: موضع ينسب إليه الثياب المنبجانية، وفي «الجمهرة»: ومنبج: موضع أعجمي، وقد تكلمت به العرب، ونسبوا إليه الثياب المنبجانية، وفي «المحكم»: أن منبج موضع، قال سيبويه: الميم فيه زائدة بمنزلة الألف؛ لأنَّها إنَّما كثرت مزيدة أولًا؛ فموضع زيادتها كموضع الألف، وكثرتها ككثرتها إذا كانت أولًا في الاسم والصفة، وكذلك النباج وهما نباجان؛ نباج بنتل، ونباج ابن عامر، وكساء منبجاني منسوب إليه على غير القياس، وفي «المغيث»: المحفوظ كسر باء (الأنبِجانية)، وقال ابن الحصار: من زعم أنه منسوب إلى منبج؛ فقد وهم.
قال إمام الشَّارحين:

(^١) في الأصل: (أبحاث)، ولعل المثبت هو الصواب.

1 / 242